عن المناظرة التاريخيّة بين مريم وعربيّة



*بقلم محمد اليوسفي


من حسن حظّ جمهرة من التونسيات والتونسيين أنّهم قد ضربوا موعدا مع التاريخ في سهرة الأربعاء 11 ديسمبر 2019 من خلال "المناظرة التاريخية" التي جمعت بين الكرونيكوز ( المعلقة ) عربية حمادي وزميلتها السابقة في قناة التاسعة مريم الدباغ وقد أدار الحوار باقتدار نجم نجوم الإعلام التونسي وملك ملوك الأوديمات الصحفي المتميّز سمير الوافي (شهر وحش الشاشة).


كان ذلك ضمن برنامج حديث العهد يسمّى اشتقاقا من لغة موليار "بوليميك"، والذي مفهوم الجدل فيه بمختلف أبعاده ومعانيه الفلسفية واللغوية والفكرية والمجتمعية العميقة لا يمكن دون أي شكّ أن يضاهيه قيمة وأهمية، خاصة وأنّه يمكن اعتباره بمثابة الثورة الحقيقية على مستوى التجديد والابتكار الاعلامي شكلا ومضمونا، لا على الصعيد الوطني فحسب بل أيضا على مستوى كوني وفي تاريخ مهنة الإعلام ككل بعد جمعه لمجموعة نيّرة من خيرة علماء الأمة وخبرائها المثقفين وباحثيها الاستراتيجيين والجامعيين.

إن من فوّت فرصة مشاهدة تلك المناظرة الشهيرة التي هي أضحت أشهر من نار على علم، يعدّ قد أضاع على نفسه لحظة تاريخية فارقة لا تحدث إلا لماما وهي قد تكون شبيهة بحدث سقوط جدار برلين أو بمشهد صعود نيل أرمسترونغ إلى سطح القمر كأول رائد فضاء يصل إلى ذلك المكان أو ربّما بيوم 14 جانفي 2011 حينما خرج آلاف المواطنين التونسيين للاحتجاج على نظام الرئيس بن علي أمام مقر وزارة الداخلية في قلب تونس العاصمة رافعين شعار " ديڤاج".

لقد كانت سهرة تلفزية استثنائية بكل المقاييس ولا أدلّ على ذلك ما أفاد به مقدّم البرنامج للرأي العام إذ يقول إنّه قد قام بتحطيم كلّ الأرقام القياسية على مستوى نسب المشاهدة وذلك ربّما بناء على عملية قيس الجمهور قامت بها مؤسسة عمومية مستقلة مشهود لها بالكفاءة والمصداقية والاحترام الصارم للمعايير المهنية أو وفق تكهنات العرّاف محسن العيفة.

الوافي أعرب في الان ذاته عن اشمئزازه من نفاق البعض من جمهوره الذي كان يصب جام غضبه على مريم الدباغ التي هي ليست صناعة محضة من بنات أفكاره، متعجبا كيف أنّ هؤلاء اليوم ينتقدون البرنامج ومقدمه وسلوك إحدى المعلقات فيه وباتوا يتعاطفون مع الآنف ذكرها صاحبة الكلبة "شنو" التي كانت من المحاور الرئيسية في المناظرة. لقد حصل كل هذا بعد أن أطاحت عربية حمادي بمريم الدباغ في نزال فكري حضاري بالضربة القاضية وذلك بقوة الحجة والبرهان والاستدلال.

نجاح هذه المناظرة الشهيرة تحقّق على ما يبدو برا وبحرا وجوا في صفحات التواصل الاجتماعي وفي قناة اليوتيوب فضلا عن التلفزيون وما أدراك ما التلفزيون وهو كان يمكن أن يتفوق حتّى على فيلم إباحي لأشهر مشاهير هذا الميدان من نجمات "البورنوغرافي" لو كتب له أن مرّر في قناة منافسة في نفس التوقيت.

وبحسب بعض المؤرخين فإنه يتوقع أنّ تدخل هذه المناظرة المفصلية سلّم التقويم التاريخي في مجال تاريخ الإعلام التونسي ورّبما أيضا على مستوى التحقيب الزمني لتاريخ الفكر في تونس والعالم العربي. من هنا فصاعدا هناك تاريخ ما قبل مناظرة مريم وعربية وتاريخ ما بعدها.

ومثلما يؤرخ لبعض الأحداث في تاريخ تونس الحديث والمعاصر بعام الهجّة على سبيل الذكر لا الحصر أو عام الجراد أو عام الطاعون (عافانا وعافاكم الله ) فإنّه في المستقبل سيتم اعتبار 2019 سنة المناظرة التاريخية بامتياز بين مريم الدباغ وعربية حمادي بعد الجدل الذي خلّفته والنظريات الجديدة التي تمّ التوصل إليها وستدخل قريبا السجلات العالمية والمعاجم الكبرى في مجال البحث العلمي ومن بينها نظرية "الطماطم والسڤاطة" المعارضة لكل أشكال انتهاك الكرامة البشرية والرفق بالحيوان وأطروحة "ڤلي ڤتلك" المناهضة للميز العنصري بكلّ صنوفه.

ونظرا للقيمة العلمية والمعرفية لهذه المناظرة التاريخية، يتوقع أن تقوم إحدى دور النشر التونسية بتقديم عرض لأصحابها من أجل اقتناء حقوق نشرها في كتاب قد يرى النور قريبا قبل موعد معرض تونس الدولي لكتاب خلال الربيع القادم. ويبدو وفق بعض المصادر المطلعة أنّ هذه الفكرة ستكون مقتبسة من تجربة دار التنوير التي قامت بنشر مضمون المناظرة الشهيرة التي جمعت سنة 1971 الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو والمفكر والألسني الأمريكي نعوم تشومسكي في كتاب تحت عنوان "عن الطبيعة الانسانية" وقد بثها التلفزيون الهولندي وقتها وأدار النقاش أستاذ الفلسفة فولز إلدرز.

لا شكّ في أنّ مناظرة عربية حمادي ومريم الدباغ قد دخلت التاريخ من أوسع أبوابه بعد أن أضحت علامة فارقة في تاريخ الخصومات الفكرية والأكاديمية التونسية. فهي تجاوزت على مستوى الصدى المجتمعي والإعلامي خصومة الطاهر الحداد مع مشائخ الزيتونة "الاكليروسيين" في مطلع ثلاثينات القرن الماضي. بل إنّه لمن الاجحاف مقارنتها بخصومة المؤرخ محمد الطالبي والمفكر عبد المجيد الشرفي بعد نشر الأول كتابا انطوى على تأملات فكرية صنّف فيه الثاني في خانة "الانسلاخسلاميين"، أو محاولة تشبيهها بخصومة هشام جعيط وهالة الوردي بعد نشر هذه الأخيرة كتابها المثير للجدل حول " الأيام الأخيرة من حياة النبي محمد" أو المناكفات التي عاشت على وقعها الجامعة التونسية في زمن غير بعيد بين أستاذي الفلسفة حمادي بن جاب الله وفتحي التريكي.

و الأهم من كلّ هذا أنّ مجلس الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري( الهايكا) ومجلس الصحافة -الذي مازال لم ير النور بعد رغم الاعلان عن انبعاثه منذ 2017- هما بصدد تدارس امكانية منح برنامج بوليميك جائزة أفضل منبر حواري يجمع بين الاخبار والتثقيف والترفيه في الان ذاته لسنة 2019 في تونس قاطبة بمختلف مللها ونحلها الاعلامية.

إن هذا التتويج المستحق بلا منازع سيكون حتما بفضل الحصول على أعلى نسبة في مدى احترام كراس شروط الحصول على رخص القنوات التلفزية الخاصة والمرسومين 115 و 116 وأيضا أخلاقيات المهنة الصحفية وميثاق شرفها زيادة عن التحلي بناصية المسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام بشكل خاص بعيدا عن كل أشكال الإثارة الرخيصة والرداءة الإعلامية والكيتش الكرونيكوزي (نسبة للكرونيكور) أو بالأحرى بعيد تكريس القطيعة الايبستيمولوجية مع نظام التفاهة القائم على سطوة سلطة التافهين وفق التعبير الشهير للفيلسوف الكندي آلان دونو .

ورّبما قد يتم ترشيح هذه الحلقة من البرنامج بعد تميزها بالاطلالة التاريخية التي جمعت لأولّ مرّة عربية حمادي ومريم الدباغ معا في نفس الاستوديو لنيل جائزة بوليتزر العالمية التي توصف بأنّها أوسكار الصحافة وتمنح من قبل جامعة كولمبيا في الولايات المتحدة الأمريكية وذلك في صنف أفضل عمل صحفي في مجال الخدمات العامة بالنظر إلى الإضافات التي قدمتها للفكر الإنساني عموما والمجتمع التونسي على وجه الخصوص الذي شقّ طريقه نحو التنمية الشاملة والمستدامة والعدالة الاجتماعية والنهضة الثقافية وتحقيق أهداف الثورة برمتها دون أي استثناء بعد هذه المناظرة المفصلية في تاريخ الأمّة التونسية كما كان يحلو للرئيس الحبيب بورقيبة تسمية شعبه وفق قراءته للسوسيولوجيا والتاريخ معا.

ويرى بعض المتابعين للشأن الثقافي والابداعي أنّ مشاهدة هذه المناظرة الغراء تقاس من ناحية الاستزادة العلمية والمعرفية بما يناهز قراءة 100 كتاب و 50 مسرحية وزهاء 50 فيلم وثائقي أو سينمائي. كما أن وزارة الثقافة التونسية تتدارس امكانية ادراج استوديو القناة التلفزية الذي تمّ فيه تسجيل هذه المناظرة التاريخية بين مريم وعربية ضمن التراث المادي ومن ثمّ إعداد ملف من أجل ترشيحه في اليونسكو لنيل شرف التسجيل في قائمة معالم التراث العالمي حتى يصبح مزارا للسياح من كلّ أنحاء المعمورة على شاكلة المنزل عدد 22 في الرواق الذهبي قرب قلعة براغ في جمهورية التشيك الذي كان يمكث فيه الروائي الشهير فرانز كافكا خلال عملية الكتابة في فترة من فترات مسيرته.

لا مندوحة في ختام هذه المطارحات والتأملات الأوليّة عن التوجه بالشكر لمعدّ ومقدّم البرنامج مهندس هذا الحدث الاعلامي الهام تقديرا لبراءة الاختراع الذي قام به وهو الذي على ما يبدو قد بات يفكّر في الاعتزال من أجل الخروج من الباب الكبير وفي أوج وقمّة النجاح والتميّز بعد هذه الحلقة التاريخية في مسيرته الإعلامية الزاخرة بالأوديمات، ولكن يحقّ لنا قبل كل هذا أن نتساءل بكل جديّة: "ماذا عساه أن يكتب أو يقول الشاعر عبد الرحمان الكافي صاحب أشهر قصيدة بذيئة في زمن الاستعمار الفرنسي بتونس تعليقا على مخرجات المناظرة التاريخية بين مريم وعربية لو كان بيننا اليوم حيّا يرزق؟".

* نقلا عن موقع الترا صوت تونس

Commentaires


1 de 1 commentaires pour l'article 194404

Essoltan  (France)  |Samedi 14 Decembre 2019 à 21h 12m |           
On dirait maintenant les SOUCIS du Peuple Tunisien se résument dans deux cas sociaux ( Arbia et Mariem ) qui perdent complètement le sens du respect .
Arbia tellement en manque , elle s'est mise à nous bombarder avec de vidéos stupides pour marquer son existence en se rappelant des beaux jours de son apogée à la télé .
Notre CICCIOLINA Mariem Dabagh a choisi un autre créneau qui est celui de la RÊVERIE et du LUXE bidon , elle est tout à fait libre et surtout elle est responsable de sa conduite et de son comportement . Vous connaissez mieux que moi la Société Tunisienne , il y'a tout en Tunisie , alors que chacun VOGUE dans son petit monde et arrêtons les critiques mal placés et pour en finir UN BON CHAMEAU DE BONNE FAMILLE DOIT REGARDER SA BOSSE AVANT DE
SE MOQUER DE SON FRÈRE ...