فن العمارة في بلاد الجريد تجسيد لعبقرية الانسان ونموذج لعمارة متأقلمة مع مجالها الطبيعي والجغرافي

<img src=http://www.babnet.net/images/3b/69f4d9ee23a769.74069083_hkioenjlgpmfq.jpg>


وات - تحرير صالحة محجوبي- تمثل مدن الجريد القديمة، وخاصة أولاد الهادف بتوزر ومدينة نفطة العتيقة، بخصوصيتها المعمارية وهويتها المتفردة، عنصر جذب ثقافي وسياحي منذ عقود، لا سيما بعد أن سعت مجموعات من السكان وبلديات المنطقتين إلى الحفاظ عليها، بفضل وعي جماعي بكونها تجسد الخصوصية والهوية الثقافية لأهل الجريد.

ولا تزال المنطقتان تحافظان على جزء هام من موروثهما، باعتباره فنا معماريا متأقلما مع مجاله الجغرافي والطبيعي، وعينة شاهدة على عبقرية الإنسان في التعامل مع الطبيعة، رغم تهديدات عدة طالتها وشوهت بعض معالمها، دون أن تمحوها أو تلغيها.


وقد نشأت مدن الواحات القديمة منذ آلاف السنين، حينما توفر عنصران رئيسيان هما الأمن الغذائي والاستقرار، فتحول الإنسان آنذاك إلى البناء والتشييد والابتكار، وتجربة وتحسين تقنيات البناء، حتى وصل إلى نموذج مدن الجريد المعروفة حاليا، مستغلا المواد الطبيعية المتوفرة، بحسب المهندس المعماري محمد إسكندر، أصيل مدينة نفطة والعارف بتاريخها وخصوصياتها.




وتتميز مدن الجريد القديمة بكونها مدنا كان هدفها الاحتماء من الطبيعة، خاصة أنها شيدت في مناطق عرفت بأشعة الشمس الحارقة وبالرياح والرمال، باستعمال مكونات الطبيعة في حد ذاتها دون استنزافها. فاستعملت التربة والطين والحجارة اللينة المعروفة محليا باسم "الفنكر"، ليبتكر الإنسان لاحقا ما يعرف بالآجر المحلي "القالب"، وهي حجارة تصنع بخلط الطين والماء والتربة، ثم شيها أو تجفيفها على النار حتى تصبح صلبة قادرة على تحمل عوامل الطبيعة لمئات السنين، إضافة إلى استغلال خشب النخيل لتسقيف البيوت والأنهج وصناعة الأبواب.

وتتكون مدن الجريد من عدة مداخل يفضي كل واحد منها إلى حي أو جزء من المدينة، تتقابل فيها المنازل الواسعة من الداخل، وتضيق شوارعها وتتعرج لمغالبة عوامل المناخ من شمس ورياح وغيرها، إضافة إلى تسقيف جزء من الأنهج المقابلة للمساكن، وهو ما يعرف في الجريد باسم “البرطال”، مع تخصيص ساحة وسطى للسوق، كما هو الحال في سوق مدينة نفطة القديم.

وبعد أن ابتكر سكان الجريد مدنا محمية من عوامل الطبيعة والعوامل الخارجية، واستقروا وطوروا فنون الزراعة في الواحات، اتجهوا إلى إضفاء البعد الجمالي على مدنهم من خلال الزخرفة بالآجر المشوي، إذ لم تكن غاية الآجر يوما البناء بقدر ما كان موجها للزخرفة والتجميل، باستعماله لتزيين المنازل داخليا وخارجيا، وفق المهندس محمد إسكندر.

وتتجسد عبقرية الإنسان في أخذه بعين الاعتبار اتجاه الرياح وأشعة الشمس أثناء تشييد المنزل، فالمنازل لا تبنى في اتجاه الرياح، ولا توجه غرفها نحو الشمس مباشرة، بل تكون متعامدة معها، وكذلك الشأن بالنسبة إلى شوارع المدينة. كما يُقسّم المنزل إلى جزء مسقوف وآخر مكشوف، مع الاتفاق بين سكان منزلين أو أكثر على تسقيف جزء من النهج المقابل لمساكنهم “البرطال”، ليكون ممرا محميا وفضاء عاما يلتقي فيه الجيران.

ويعد المنزل التقليدي في بلاد الجريد نموذجا لنظام اجتماعي صارم، وفق محمد بن طاهر، الناشط بالمجتمع المدني في مدينة نفطة، الذي أوضح أن المسكن ينطلق من سقيفة أولى مفتوحة على البرطال، ذات باب ضخم ومزخرف، تخصص للرجال لاستقبال الضيوف من عمال الواحة أو طلبة العلم، إن كان صاحب المنزل من أهل العلم وحفظة القرآن. وتفضي هذه السقيفة إلى سقيفة ثانية يسمى بابها "باب الخوخة"، يتميز بصغر حجمه، وهي مخصصة للنساء لممارسة أنشطتهن، خاصة النسيج.

أما بناء الغرف فيعكس حكمة ودراية، إذ تكون ذات ارتفاع شاهق وبها فتحات علوية لتوفير التهوية الكافية. ويختار أهل الجريد عادة الغرف القبلية، أي المتجهة نحو القبلة والشرق، للإقامة أو لخزن المؤونة على امتداد السنة، باعتبار أنها توفر الدفء شتاء والبرودة صيفا حسب اتجاه الشمس، في حين تخصص الغرف الغربية للماشية أو تستعمل كمطبخ أو بيت للاستحمام. ولا يبنى الطابق العلوي إلا عند الحاجة، في حال تزايد عدد أفراد الأسرة، وحسب القدرة المالية لصاحب المنزل.

وتبقى هذه المدن، وفق المهندس محمد إسكندر، ذات بعد جمالي يعكس تحول الإنسان في الجريد، بفضل استقراره وتوجهه نحو العلوم الدينية وغيرها، ويؤكد انتقاله من مرحلة البناء لأجل الحماية إلى مرحلة توظيف مواد البناء ذاتها لتحقيق الوظيفة الجمالية.

فالزخارف التي يوظفها البناؤون باستعمال الآجر المشوي صغير الحجم، ذي الألوان الصفراء والحمراء، تتوزع إلى 33 نوعا، وفق محمد بن طاهر، من بينها "الجريدة" و"بوحبيبي" (وهو طائر صغير يعشش في المنازل) و"الحنش" و"الزربية"، وغيرها من الزخارف التي تعبر عن بعد جمالي وقدرة مادية لسكان المدينة.

غير أنه، ومع تطور مواد البناء، لوحظ عزوف عن تعاطي الحرف المرتبطة بالتراث المعماري القديم، ومن بينها صناعة الآجر التقليدي، حيث تقلص عدد الحرفيين بشكل كبير، ولم يبق إلا القليل منهم في مدينة توزر يزاولون نشاطهم في ظل صعوبات متعددة. ويُضاف إلى ذلك غياب التكوين في مجال التزويق بالآجر المحلي، وتحول استعمال خشب النخيل من التسقيف وصناعة الأبواب إلى مجالات أخرى، من بينها الصناعات التقليدية.

كما تطرح وضعية المدن القديمة، بعد هجرها من قبل سكانها إما بسبب الانتقال أو مشاكل الإرث، إشكالية تدهور بنيتها التحتية، حيث انهارت أجزاء منها، فيما باتت أجزاء أخرى مهددة بالسقوط.

لذلك، أصبحت فكرة إحياء هذه المراكز العمرانية، التي تعبر عن نمط وثقافة عمرانية مميزة، ضرورة ملحة، سواء ضمن برامج الدولة أو عبر تشجيع المستثمرين على صيانتها مع الحفاظ على خصوصيتها، وتحويلها إلى دور ضيافة أو مراكز ثقافية، كما هو الشأن في عدد من منازل مدينة نفطة، على غرار دار الهويدي ودار باباي، وكذلك في مدينة توزر، حيث تم تحويل عدة مساكن إلى متاحف ومقاه سياحية ودور ضيافة.

   تابعونا على ڤوڤل للأخبار تابعونا على ڤوڤل للأخبار

Comments

0 de 0 commentaires pour l'article 328462

babnet