الغنوشي.. ''شكون باش يخلصني على المقال؟''



حياة بن يادم

تم لومي بشدة على مقال سابق وصل الحد اتهامي بالاسترزاق النجس من وراء قلمي الحر بالاصطفاف وراء طرف ما يعرف ب"شق الغنوشي" دون آخر، فيما يعرف بصراعات "الشقوق" التي لم تعد خافية على الجميع. والتي تشهدها حركة النهضة بمناسبة قرب موعد مؤتمرها الحادي عشر.


لكن الذي نسيه من اتهموني بهذا الاسترزاق النجس، لم يبينوا لي من أين قبضت عندما نشرت مقالات نقد "لشق الغنوشي"؟. كما أنه تم اتهامي بالتدخل في مواضيع داخلية لحركة النهضة، أجيبهم كلامكم مردود عليكم، و لو لم أجد غسيلها منشورا على قنوات الرذيلة و العار لما تحدثت عليها.

كما أن منطق "حركتنا" مرفوض لأنه الأصح استبداله ب "حزبنا" لان الحركة أكبر بكثير من حزب حركة النهضة إنها حركة مغروسة في تراب هذا الوطن منذ عقود، وبقيت على قيد الحياة، تسقى من عذابات اجيال، اختاروا الانتماء اليها عن طواعية، و آخرين ذنبهم الوحيد، انهم بقوا على الفطرة، و لم يتماهوا مع الثقافة الغربية الدخيلة، فكان لهم نصيب عندما استلت السيوف و الخناجر من الانظمة السابقة المتلحفين بثقافة استعمارية استئصالية بامتياز، كان هدفهم ليس راس الحركة فقط، بل كان استئصال الهوية من جذورها، ليصبح المعتز بها منتميا رغما عنه. و في تلك المجزرة دفع الجميع، ان لم يكن الكثير، فالقليل، من الثمن. هي جزء من الاحباس التي لم تقدر الانظمة الطاغية على تصفيتها، و انها ملكية عامة على الشياع للشعب التونسي العظيم و ليست ملكية خاصة لأي شخص مهما كان غلاء الثمن الذي دفعه.

كما أنه تم لومي حول الحصانة التي افردت بها رأس السلطة التشريعية بعدم التطرق إليه و هو في قلب المشهد السياسي، في حين تم التطرق في اليومين الاخيرين لرأسي السلطة التنفيذية و الرئاسية.

لكل ما سبق، و بما أن ليس هناك شخص فوق النقد، و كنت انتقدت رئيس حركة النهضة سابقا في مقالي "أما آن للنهضة أن تنظر في المرآة؟ "، سأحاول في هذا المقال التطرق للشخصية الأكثر إثارة و جدلا على الساحة السياسية، و هي شخصية ليست كسابقاتها نظرا لتاريخها النضالي و الفكري و السياسي.

من أنتم يا الغنوشي،

أنتم الشيخ الثمانيني الذي استكمل بصمته و هو مازال على قيد الحياة حيث تركتم أثرا و ميراثا في الدعوة و في الفكر و في السياسة في جميع المنابر و في مغارب الارض و مشارقها بلغات مختلفة حيث كنتم مادة دسمة للعديد من السّاسة و المثقفين و مراكز البحوث. و مرجعا لنظريات الاسلام السياسي في العصر الحديث في حين من هم من جيلكم ما زالوا يحاولون فك الحروف في ابجديات السياسة.

من أنتم يا الغنوشي؟،

أنتم صاحب المقود لأهم حركة سياسية غرست منذ لقاؤكم سنة 1969 بالشيخين عبد الفتاح مورو و احميدة النيفر. ليتم تنضيج الفكرة في اللقاء التاريخي مع 40 قيادي سنة 1972. وصولا للتأسيس في سنة 1981. و منذ ذلك التاريخ و أنتم العنوان المحتكر للمعارضة وصولا إلى مقاليد السلطة بعد ثورة الحرية و الكرامة حيث أصبحتم عنوانها في تونس.

من أنتم يا الغنوشي؟،

أنتم بطل صورة للعبرة، تدرّس للأجيال القادمة، مفادها ما أقرب الأيام رغم طولها، و تلك الأيام نداولها بين الناس.
الصورة الأولى بعد الثورة بتاريخ 13 نوفمبر 2019، تاريخ انطلاق الجلسة العامة الافتتاحية للمجلس التشريعي للمدة النيابية 2019- 2024، حيث تمت إحالة رئاسة الجلسة العامة إليكم، و أنتم رئيس حزب حركة النهضة، و اكبر الأعضاء من النواب الجدد سنّا، من طرف رئيس مجلس النواب المتخلي، الشيخ عبد الفتاح مورو عن حركة النهضة.
و الصورة الثانية قبل الثورة بتاريخ 6 جوان 1981، تاريخ تأسيس حركة الاتجاه الإسلامي، كنتم صحبة الشيخ عبد الفتاح مورو من جيل التأسيس.

من أنتم يا الغنوشي؟،

أنتم عنوان السلطة بعد الثورة بعدما كنتم عنوان المعارضة. أنتم أحد مهندسي سياسة التوافق صحبة الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي. و انتم المرافق اللطيف و الحذر للانتقال الديمقراطي الهش في مناخ ملغم من طرف خصوم الثورة.

من أنتم يا الغنوشي؟،

أنتم "سفاح و قتال الأرواح" للجبهة الشعبية. حيث قتلتهم من حيث لا يدرون فصناديق الاقتراع الاخيرة و التي افصحت عن إرادة الشعب التونسي العظيم أعلنت عن موتهم السياسي و شهد شاهد من أهلها حيث تم تبرئتكم على لسان خليفة الشهيد و رأس حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد، و أحد أشرس المعادين لكم، زياد الأخضر، الذي قام بفضح المتاجرين بملف شكري بلعيد بمناسبة الذكرى السابعة لاغتياله قائلا "يستغلون ملف الشهيد لابتزاز النهضة ويزعمون في العلن انهم مع كشف الحقيقة".

من أنتم يا الغنوشي؟،

أنتم الغصّة التي حيّرت و أرهقت الطابور المتصهين و المنتمي للثورة المضادة داخليا و خارجيا نظرا لأنكم الجامع لشخصية فريدة التقت الخلفية الإسلامية مع النضالية مع الفكرية و الجامع للمعارضة حيث شارفتم على الموت و ذلك بإصدار حكم الإعدام في حقكم زمن بورقيبة، و المؤبد و التهجير زمن بن علي، و اليوم انتم عنوان السلطة حيث تتربعون على كرسي عرش باردو، أقدم البرلمانات العربية حيث تداول عليه حكام تونس دون انقطاع منذ عصور.

من أنتم يا الغنوشي؟،

أنتم معاوية في زمن غير زمن علي أنتم "الداهية السياسية". أنتم صاحب الدم البارد و الفم الصامت عاملا بحكمة المتنبي حين سئل :" فلان يهجوك قال: هذا صعلوك يريد أن نرد عليه فيدخل التاريخ". لكنكم صاحب الفعل الصاخب و الرد القاسي حيث تغتال عدوكم نفسانيا دون رحمة و لا شفقة و دون اللجوء إلى العنف المادي ليتكفل الزمن بالبقية بوأدهم و رميهم في مزبلة التاريخ.

من أنتم يا الغنوشي؟،

أنتم زعيم حركة أثخنتها جراحات الماضي، من قتل و تعذيب و تهجير، شهدتها خلال محرقة تسعينات القرن الماضي. و اليوم انتم زعيم على قواعد بقيت آثارا من نظام مستبد سابق لم يتحصلوا إلى الآن سوى على جبر ضرر لا يتجاوز قيمته الحبر المكتوب عليه. في حين تمتع بالحين ميلشيات النظام السابق بصكوك العفو حيث كنتم أحد مهندسي قانون المصالحة السيء الذكر.

من أنتم يا الغنوشي؟،

أنتم رئيس برلمان "التهريج و تطييح القدر" و الذي ببركات قانون العزل الذي تصديتم له، نشاهد في كل جلسة مسرحية ركيكة و سمجة البطلة النسائية عبير و اخواتها و مع الاسف البطل الرجالي الوحيد هو أنتم.

من أنتم يا الغنوشي؟،

أنتم زعيم حركة تعيش صراعات و مشاحنات على خلفية خلافتكم في المؤتمر القادم و الذي إلى حد الآن و أنتم صاحب الآذان الصمّاء، و أنتم المفتي و المسؤول عن إعلان رؤية هلاله.

من أنتم يا الغنوشي؟،

أنتم قيدوم شيخ الأحزاب السياسية في تونس و في العالم العربي، و رغم قدرتكم على ملاعبة الأفاعي الخارجية، لكنكم أثبتم عدم القدرة على تنظيم البيت الداخلي و السيطرة على أجنحة الصراع على خلافتكم. حيث أصبح "غسيلها" منشورا على محطات الرذيلة و الشماتة. مع تكسير لرمزيتكم التاريخية و النضالية، في حملة ممنهجة قصد اختراق هيمنتكم التي فرضتموها طيلة عقود.


أتساءل لماذا يحدث ذلك للنهضة و لقيدوم النهضة؟ ألأنه هرم ؟ أم لأنه "ديكتاتور" و المهيمن على كل القرارات؟
و أتساءل من هم الذين خرجوا على محطات العار و قنوات الرذيلة لنشر الغسيل بدون خجل و تمردوا في خروج فاضح كاشف عن مؤسسات الحركة؟ هل لو تم توزيرهم هل ستسمع لهم ركزا في المستقبل؟ أشكّ في ذلك. أهم البديل الذي لم يستطع أن يدير خلافاته داخل الجسم فكيف له بقيادتها؟ أهم البديل الذي تنتظره حركة خضبت بدماء و جراحات اجيال طيلة ما يقارب نصف قرن، مازالت ندوبها لم تندمل بعد، و أمّ مكلومة منذ عقود، ما زالت تبحث إلى الآن عن ابن مفقود.. لعلّها تجده في إحدى الجسور؟. أهم البديل الذين رموا عرض الحائط قيم و تقاليد و ثقافة اسلامية بنيت عليها الحركة باحترام تسلسل أجيال النضال؟.
في حين رجال من جيل التأسيس ينحني التاريخ خجلا و إجلالا أمام نضالاتهم، آثروا الانسحاب بصمت و عدم خدش جسم الحركة المثخن أصلا بالجراحات.
و جيل ثاني أكثر نضالية ارتضى احدهم شهدت له الزنازين قساوة وحدته، بأن يكون سكريتيرا دون تذمر، لأمين عام نكرة قادم من الرخاء و بطاقته الأمنية بيضاء و غريب و لا يشبه جيل محرقة التسعينات في شيء، وتنكر في أول فرصة لم يتحصل فيها على مبتغاه . فقط لأنه متشبع بقيم حركة رصيدها ثمنه يعجز مال قارون على سداده.

في تربيتنا الإسلامية عندما يصبح الاب عاجزا على إدارة مؤسسة العائلة فالحل ليس رميه في دار العجزة بل مرافقته و تحسيسه بالامان و أنه الحاكم بأمره تبعا لقول الله عز و جل " وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا". و قوله "إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا".

يتضح و أن سلوك الشيخ المتصف بالهيمنة و الانفراد بالرأي، محكوم باحساسه بعدم الأمان، مما جعله يحيط نفسه ببطانة غريبة عن السجون و النضال، و يعرّض نفسه للتهكم و الهرسلة في مجلس النواب. لأنه لو وجد من جيل النضال حزام يرافقه في إطار احترام الثقافة الاسلامية. لما اضطر الى الذهاب إلى البرلمان، و لبقي شيخ الحركة معززا مكرّما. و لن يدوم هذا الحال إلى ما لا نهاية لان سنن التداول تقول أن الحركة اليوم أو غدا لا بد من قيادة تعوضه.

إلى حين رؤية هلال المؤتمر الحادي عشر للنهضة، و تغليب منطق الحكمة والترشيد و التوافق و الزهد و الإيثار بدل منطق التحشيد و الفرقة و الابتعاد عن منطق الغباء الذي يعتمد منطق الديمقراطية الجافة دون الاستئناس بالقيم وبالثقافة الإسلامية، التي يقع فيها الأخذ بعين الاعتبار التسلسل التاريخي و النضالي للاشخاص. و الذهاب إلى مؤتمر على قلب رجل واحد و على صوت القواعد و حال لسانهم يقول "خذو المناصب خذو الكراسي بس خلونا النهضة"، قصد ابعاد شبح الانقسام و الاندثار لحركة لم تقدر أنظمة الاستبداد على اجتثاثها طيلة نصف قرن.. اتسائل "شكون مش يخلصني على المقال؟".

Commentaires


1 de 1 commentaires pour l'article 197923

Ateff  ()  |Jeudi 13 Février 2020 à 08h 41m |           
الله أحد الله أحد و الغنوشي ما كيفو حد