تونس ... هل الحل في دولة الجباية ؟



خالد الرحموني

قبل الدخول في الحلول أو الإجابة على السؤال علينا أولا أن نشخص بشكل عقلاني دعائم الإقتصاد التونسي حتى يكون الحل الذي نقترحه قريبا من الواقع و ليس مجرد تنظير.

|) تشخيص الوضع الحالي لتونس،

1) البنية الإقتصادية:

في تونس اليوم 51٪ من الإقتصاد هو إقتصاد موازي لا يدفع الضرائب لكنه يشغل مئات آلاف العائلات و يمثل المشغل الوحيد تقريبا للشباب في المناطق الحدودية مثل مدنين، القصرين و جندوبة، و أغلب الولايات الحدودية،و الدولة عاجزة عن محاربته أو وضع تصور لإدماجه لحجمه الكبير و إرتباطه التام بمعيشة و مستقبل جزء هام من الشعب التونسي، فكل مجازفة من الممكن أن تدخل الدولة في مواجهة مع جزء كبير من الشعب التونسي و ذلك لا يقتصر فقط على المناطق الحدودية فالتهريب الموجود في مناء رادس يمثل نسبة مرتفعة من الاقتصاد التونسي و أيضا هو مورد رزق لمئات الآلاف من العائلات.

باقي الإقتصاد التونسي يمكن تصنيفه إلى صنفين المؤسسات العمومية و القطاع الخاص

أما المؤسسات العمومية فتقريبا جلها تعاني عجزا ماليا كبيرا، فهي مؤسسات ذو توجه إجتماعي بالرغم من تموقعها في السوق كمؤسسات ربحية و حتى أن بعضها يتعرض للمنافسة من القطاع الخاص، مثل اتصالات تونس و الشركة التونسية للكهرباء و شركة التبغ و الوقيد و مصنع الفولاذ و كلها شركات تعاني أيضا سوء التصرف و انعدام الهيكلة، بالإضافة إلى وجود نقابات قوية تمنع الدولة من القيام بالإصلاحات الجذرية أو حتى التفريط فيها للخواص لأنها مثقلة بالديون و لا يمكن غلقها لأنها تشغل مئات الآلاف، و كلها نتائج تعود أساسا لإنخراط الدولة في إستثمارات لا تقدر على إدارتها من جهة و جعلها ذو طابع إجتماعي من جهة أخرى.
أما القطاع الخاص فهو نوعان من الشركات، شركات ذات رأس مال أجنبي و مصدرة كليا تسمى أيضا بشركات قانون 72، و تعتمد أساسا على اليد العاملة الرخيصة، و هي عبارة على أماكن مغلقة تحت الرقابة الديوانية و في أغلبها شركات مشغلة لليد العاملة البسيطة و التي لا تحتاج تكوينا علميا عاليا، و هذا النوع من الشركات لا يحبذ الدول المتميزة بالنقابات القوية و بالوضع السياسي المتغير فهي تتوجه نحو الدول المتميزة بالإستقرار السياسي أو حتى المتسلط، فالدول التي فيها قوانين صارمة تجاه حقوق العمال على مستوى الأجر الأدنى أو ساعات العمل، فهذه الدول ليست أبدا جذابة لهذا النوع من الشركات، و بدخول تونس بعد الثورة إلى مناخ حرية و إنحراف في أحيان كثيرة إلى مناخ فوضوي، دفع للأسف عددا كبيرا من هذا النوع من الشركات إلى المغادرة، و هذه الشركات تشتغل في إطار قانون 72 الذي يعطيها تميز عدم دفع الضرائب بل إنها تتحصل على حوافز ديوانية هامة لتشجيعها على الإستثمار في بلادنا.
أما النوع الثاني فهي شركات خاصة لرؤوس أموال تونسية تعاني البيرقراطية و إرتفاع تكلفة الأجور و أغلبها شركات صغيرة او متوسطة في أحسن الأحوال و هي تقريبا الوحيدة التي تدفع الضرائب فنجد منها من تحاول تطويع القانون لتبرير بعض المصاريف التي من الممكن أن تقوم بها لتخرجها من دائرة الضرائب، منذ الثورة الى الان لم تسلم هذه الأخيرة من المطلبية الإجتماعية المفرطة و التي تفسر بتدهور الطاقة الشرائية للتونسي و أيضا لإرتباطها بالسوق الخارجي و خاصة الأوروبي فأغلبها شركات خدمات او صناعات موجهة للتصدير، و هو ما يجعلها ضعيفة لعجزها عن العمل في سوق استهلاكية مستقرة و لا يخضع لقوانين و متغيرات دول أخرى.
إذا فالضرائب المباشرة في تونس لا تشمل إلا جزء صغير من الشركات و التي لا تتجاوز نسبتها 25٪ من حجم الإقتصاد التونسي، لذلك فالدولة تعول بالأساس على الضرائب على الدخل اي المقتطعة من الموضفين و العمال و الضرائب الغير مباشرة الموضفة على المنتجات و التي تسمى ب TVA او الأداء على القيمة المضافة و هذا ما يجعل المستهلك التونسي ذو طاقة استهلاكية ضعيفة لا يمكن التعويل عليها في خلق وسائل انتاج جديدة قادرة على تشغيل المعطلين على العمل.
كما أن الشركات الدافعة للضرائب تعاني تبعية كبيرة لسوق أروبية عملاقة و لا يوجد بينهما تعامل بندية فكلها شركات تعيش تحت رحمة متغيرات السوق الأروبية و قوانينها.

الخلاصة: الإقتصاد الداخلي التونسي من جهة هو إقتصاد يعول بشكل تام على الضرائب لتعبأة الميزانية و من جهة أخرى إقتصاد يعيش ظلم جبائي كبير، فكيف لهذه المعادلة أن تستقيم ؟

2) سردية محاربة الفساد:

يمكننا تقسيم الفساد إلى نوعين
الفساد الأصغر: و هو يشمل المعاملات بين الافراد و الإدارة و هو منتشر و مرتبط أيحانا بعدم وضوح القانون و قلة الرقابة و إمكانيات الدولة و أيضا بالوضعية المادية للموظف و هو اخطبوط كبير و تحول و تطور ليصبح عقلية موجودة في كل المؤسسات و الإدارات حتى أن إعطاء الرشوة أصبح مجرد حافز للموظف للقيام بعمله و ليس جريمة يعاقب عليها القانون، كما أن هذا النوع من الفساد منتشر في كل الدول و لكن بدرجات و لمكافحته نحتاج مجهودا دائما و متواصلا و يمكن القول فقط أنه فساد لا ينتهي، و بالتقليل فيه يمكننا التغيير بعض الشيء من معانات الناس و عدم تعريضهم للإبتزاز و لكن كمؤشرات إقتصادية كبرى ليس له دور كبير، فمثلا إعطاء رشوة لعون بلدي حتى يسرع لك في الحصول على رخصة هو بالفعل فساد لكن ضرره يمتد إلى بعض الأشخاص و لكن لا يغير من توازنات الدولة.

الفساد الأكبر: و هو أساسا التهرب الضريبي، الذي هو بالفعل عائق كبير أمام الدولة حتى تتمكن من النمو و التطور، و أيضا هو من أبشع أنواع الظلم، مواطن يدفع الضرائب لا يمكن أن يكون في أي حال في نفس منزلة المواطن الذي لا يدفع و الذي يتهرب من الدفع، إلا أنه نظرا إلى تركيبة الاقتصاد التونسي الذي نصفه يرتكز على التجارة الموازية فلا يمكن الحديث أبدا عن مكافحة الفساد و عن مكافحة جريمة التهرب الضريبي لأن الدولة ليس لها أي سيطرة على أكثر من نصف إقتصادها، أي ان الفساد الضريبي هنا هو أحد عجلات الإقتصاد و محاربته تعني شلل جزء هام من الإقتصاد.

الخلاصة: المراهنة على محاربة الفساد للنهوض بالإقتصاد و بتغيير حال المواطن هو مجرد بيع للأوهام

3) المنتج و المستهلك التونسي

من المعلوم أن كل إقتصاد في العالم يرتكز أساسا إما على سياسة إنتاجية تشجع على الإنتاج أو سياسة إستهلاكية تشجع على الاستهلاك، للأسف الشديد الاقتصاد التونسي لا يقدر على إستيعاب أي سياسة إقتصادية حديثة، فإن شجعت الدولة على الإنتاج في أي نوع من أنواع المنتوجات الصناعية منها أو الفلاحية فإنه سرعان ما يغرق السوق بفائض كبير في الإنتاج و نذكر بالأساس ما يعانيه الفلاح من مشاكل في التسويق كل ما كان هناك زيادة كبيرة لإنتاجه، فلا يستطيع أن يسوقها في السوق الداخلية لمحدوديتها و لا الدولة قادرة على تخزينها و لا يستطيع تصديرها لأن أغلب شركائنا الإقتصاديين و على رأسهم الإتحاد الأوروبي بأكثر من 70٪ من تجارتنا الخارجية معهم ليسوا محتاجين لمنتوجاتنا و ما ننتجه موجود في أسواقهم و بكثرة، لذلك نحن مرتبطون دوما بإتفاقيات و بنسب معينة للتصدير لا نستطيع تجاوزها و على سبيل الذكر لا الحصر نذكر أزمة الحبوب و أزمة زيت الزيتون و أزمة القوارص و قس على ذلك، فالفلاح أو الصناعي إذا لا يستطيع أن ينتج و لا أن يصنع بكميات كبيرة لأن السوق التونسية ضيقة و مرتبط بشركاء أقوياء لا يتعاملون معه بمبدأ الندية بل أساسا بمبدأ التبعية، لذلك فإن أغلبية الشركات و المشاريع التونسية هي مشاريع صغرى و متوسطة و ليس لها الإمكانية أن تصبح شركات كبرى، فالفلاح الصغير يبقى صغيرا و لو امتلك الاف الهكتارات و مصنع تعليب الزيت يبقى صغيرا و لو كان قادرا على تعليب ملايين القوارير في السنة، و حتى لو امتلكنا التكنلوجيا و المكننة فمشكلة السوق هي الورم الذي لا يمكن إستئصاله.
أما السياسة الإستهلاكية فبدورها لا يمكن للدولة التونسية الإعتماد عليها، لأن المواطن في كل مرة تقوم الدولة بتشجيعه على الإستهلاك بالخفض من فائدة قروض الإستهلاك مثلا بهدف التشجيع على إستهلاك المنتوج المحلي لمساعدة المنتجين في توفير سوق إستهلاكية معقولة، إلا و ذهبت تلك الأموال في شراء البضائع المهربة أو المستوردة و إن حصل و توجهت نحو المنتوج التونسي فبسرعة يحدث شح في المنتوج لعدم قدرة المنتج على الرفع في انتاجه من ما يؤدي إلى غلاء في الأسعار إضافة إلى إعتماد الدولة لسياسة نقدية مبالغ فيها بضخها لأموال لتغطية إحتياجاتها من المصاريف الدورية كالرواتب و الصيانة فبوجود أكثر من نصف الاقتصاد خارج سيطرتها فإنها بالرغم من أرتفاع الضرائب فالدولة عاجزة تماما على إسترداد ما تم ضخه من أموال لإعادة تمويل ميزانيتها و هو ما يجعلنا نعاني من نسبة تضخم مرتفعة جدا و خاصة المتعلقة منها بالمواد المستهلكة حتى أن الخبراء اليوم يتحدثون عن أرقام تتجاوز 20٪ و هي نسبة تضخم مفزعة و هو ما يفسر العجز التام للمستهلك التونسي على الإستهلاك هذا إضافة الى أن عدد المستهلكين قليل جدا.

الخلاصة: المنتج التونسي إن لم ينتج جاع المستهلك و إن أنتج جاع هو

4) التصدير و التجارة العالمية

يعتمد الإقتصاد التونسي بالأساس على الإتحاد الأوروبي و يعتبره شريكه الإقتصادي الأساسي بنسبة أكثر من 70٪ من التبادل التجاري، أوروبا شريك إقتصادي مهم و من الضروري المحافضة عليه، لكن لا يوجد توازن مع هذا الشريك الأول و الأمر ليس متعلقا بنسبة التبادل التجاري أو بالميزان التجاري، ففرنسا مثلا ميزاننا التجاري معها إيجابي أي أن الصادرات التونسية لفرنسا تفوق وارداتنا منها، لكن إن قمنا بالتمحيص في السلع و المنتوجات المستوردة و المصدرة لفرنسا سوف نجد أن ما نستورده من فرنسا هو أمر ضروري لإقتصادنا من مواد أولية أو قطع غيار سيارات و ما نصدره لها هو كماليات للإقتصاد الفرنسي أو أنها من السهولة عليها تعويضه و إستيراده من دولة أوروبية أخرى أو حتى من خارج أوروبا.
و هذه التبعية لا تشمل فرنسا فقط و إنما كل الإقتصاد الأوروبي شريكنا الأول، لذلك نحن دائما ضحية القوانين الأروبية التي تحدد المتوجات المصدرة و حتى أحيانا الكميات و خير مثال زيت الزيتون الذي يمنعنا الاتحاد الأوروبي بتصديره معلبا و انما يفرض علينا نسبة سنوية و الاتحاد الأوروبي بوجود إيطاليا و إسبانيا ليس في حاجة لزيتنا و لا لقوارصنا.
و هذا الأمر لا يشمل الإتحاد الأوروبي فقط، و إنما كل الكتل الإقتصادية الكبرى التي يكون لها إقتصاد متماسك و متكامل و مستقر مثل الولايات المتحدة الأمريكية و دول التعاون الخليجي.
إذن نحن في تعاملنا الخارجي في تبعية بنسبة 70٪ مع الاتحاد الأوروبي، و باقي تجارتنا العالمية تتوزع على الولايات المتحدة الأمريكية و بعض الدول الاسيوية، مع نسبة تبادل تجاري هزيلة جدا مع جيراننا أو المغرب الكبير كما أحب أن أسميه لا تتجاوز في أحسن حالاتها 5٪ و أيضا نسبة قليلة جدا مع دول القارة الأم أي القارة الأفريقية، فالدولة التونسية بخريطتها على مستوى التجارة العالمية تعطينا إنطباعا أنها دولة أوروبية، و بالرغم من النسبة العالية التي تجمعها مع أوروبا إلا أنها تعارض إتفاقيات التجارة الحرة معها و ذلك بالأساس خوفا من إنهيار إقتصادها الداخلي لضعف تنافسيته.
أعود بكم الآن ببعض الأرقام على مستوى العالم حتى نعي حجم الخطر الذي تعيشه التجارة العالمية لتونس، أول رقم هو المعدل العام للتبادل التجاري بين دول الجوار على مستوى العالم يعادل تقريبا 40٪، أي لو أخذنا دولتين جارتين في أمريكا اللاتينية او في إفريقيا جنوب الصحراء أو آسيا فإن المعدل من التبادل التجاري بينها يقارب هذه النسبة، بالنسبة للإتحاد الأوروبي فإن التجارة الداخلية بين الأعضاء في حدود 70٪، أما الولايات المتحدة الأمريكية فتتجاوز النسبة 90 ٪ بين الخمسين دولة المكونة للدولة الفدرالية. بالنسبة لتونس فإن نسبة التبادل التجاري مع الدول المغاربية بين 0٪ و 5٪ و هي النسبة الأضعف في العالم و بعيدة كل البعد عن المعدل العالمي.
هذا المعطى مهم جدا في معرفة مدى صلابة الإقتصاد، فكلما كانت نسبة التبادل التجاري مع الخارج أضعف إلا و كان الاقتصاد أكثر صلابة، ففي الأزمات مثل التي عشناها مع كورونا أو الأزمة الأوكرانية حاليا فإن الدول أو الكتل التي تلجأ لغلق إقتصادها و حدودها لحماية نفسها من الوباء أو من الإرهاب مثلا فهي بتصرفها هذا سوف تستطيع حماية الجزء المتبادل مع جيرانها بالأساس أو مع الحلف الإستراتيجي الذي هي فيه و الذي لا يمكن أن يتغير على المدى القريب و المتوسط، فالاتحاد الأوروبي بإنغلاقه على نفسه سوف يحمي ما يقارب 70٪ من إقتصاده أما الولايات المتحدة الأمريكية فيمكنها حماية 90٪ من إقتصادها و كأنها كوكب مستقل بنفسه.
فإن عدنا إلى تونس فإنها إضافة إلى تبعيتها إلى كتلة إقتصادية مستقلة بذاتها و لا تعتبر الدولة التونسية شريكا إستراتيجيا لها وجب حمايته عند وقوع الأزمات العامية و الكوارث الطبيعية و الحروب فإنها سوف تجد نفسها بمفردها أمام هذه الأزمات و أنها لا تقدر على حماية حتى 5٪ من تجارتها العالمية، و هو ما حدث بالفعل في أزمة كورونا التي أنهكت الإقتصاد التونسي بشكل غير مسبوق و هي اليوم تعاني أزمة ربما أخطر من كورونا بسبب الصراع الروسي الأكراني، فأسعار القمح و النفط تضاعفت تقريبا و هي مواد أساسية لضمان الإستقرار الإقتصادي و خاصة الإجتماعي الداخلي.

الخلاصة: عدم الإنخراط في تكتل اقتصادي إستراتيجي و مستقر فيه تهديد مباشر لوجود الاستقرار التونسي و إستمراره مما يؤدي بالضرورة إلى شبح الإفلاس.

5) تونس الدولة المستحيلة

تبنى الدولة، و بإختصار شديد و دون الخوض في التفاصيل، على مقومين أساسيين لضمان إزدهارها و إستمرارها، فعلينا أن نتعامل مع الدولة كمجموعة من المقومات إن إنهارت إحداها فذلك علامة و تهديد لإنهيار الدولة، و الدولة كالإنسان له عمر و له سياقات تاريخية تحكم فيه، فكم من دول تأسست و وصلت إلى درجة العظمة ثم إندثرت و لم يعد لها وجود، لذلك فالعاملين الأساسيين الذين أرى أنهما يمثلان ضرورة لتكون الدولة و إستمرارها هما العامل التاريخي و الإقتصادي، و التاريخي ممكن أن يشمل الروحي و العادات و التقاليد، و الاقتصادي يمكن ان يشمل الجانب الاجتماعي و السياسي، لذلك رأيت أن هذا التقسيم من الممكن أن يستقيم.
الجانب التاريخي: دائما ما نسمع من الساسة او بعض الوجوه المؤثرة أن تونس حضارة عمرها أكثر من 3000 عام و أن أصولها التاريخية كفيلة بأن تجعلها دولة متقدمة، السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو كيف لدولة مثل تونس بالرغم من الأزمات التي تعيشها منذ الإستقلال أن يكون لها إمتداد تاريخي بهذا الشكل ! و كيف كان وضع تونس قبل الإستعمار ؟ و ما كانت مطالب الأجداد و الشهداء المدافعين عن حرمة الوطن ؟
للإجابة عن هذه الأسئلة وجب العودة بسرعة للتاريخ و معرفة الحظارات المتعاقبة على تونس، للإجابة عن سؤال من هي تونس ؟
قبل قدوم المستعمر، كانت تونس إيالة عثمانية لمدة تقارب 300 عام بحدود سياسية مختلفة تماما عن حدودها الحالية، فكانت تمتد إلى طرابلس جنوبا و إلى عنابة غربا، و هذه الحدود في واقع الأمر لم يكن لها أي أهمية سياسية أو إجتماعية أو إقتصادية، هي كانت فقط حدود إدارية في دولة نستطيع أن نقول أنها فدرالية عملاقة إسمها الدولة العثمانية. قبل الدولة العثمانية كان هناك الدولة الحفصية التي كانت جزءا من الدولة الموحدية و انشقت عنها لتؤسس حدودها و كيانها الخاص و قبل الموحدين كان هناك المرابطين إلى أن نصل إلى أول دولة في شمال إفريقيا و هي قرطاج.
إذن فمن أسس تونس ؟ و من رسم الحدود الحالية ؟
في الواقع لم يكن هناك دولة إسمها تونس قبل مجيء المستعمر، و إن الدولة التونسية تأسست سنة 1956 أي أن الحدود الحالية خطها المستعمر بعدما تأكد من إفراغ تونس من كل عوامل و مقومات الدولة العظمى كما كان الحال دوما في منطقة شمال إفريقيا، و بهذا الفعل خلقت تونس و خلق الشعب التونسي و خلقت معها الدولة الوطنية الغيورة على حدودها و المعتزة بهويتها التونسية، حتى أن الغلو أخذ البعض إلى الحديث عن الدين الإسلامي التونسي، و كأن المفكرين و العباقرة من أبناء جامع الزيتونة هم ملك تونسي صرف و الغريب في الأمر أن هؤلاء القامات لم يكونوا أبدا وليدي الدولة التونسية أصلا و إنما هم أبناء الإيالة الحسينية و يمكن القول حتى أنهم أبناء الدولة الثمانية.
إذن و بدون إطالة أكثر فإن القول بأن عمر تونس أكثر من 3000 عام هو إزدراء على تاريخ المنطقة و الدولة الحديثة لم يتجاوز عمرها المائة عام و حدودها التي نراها اليوم هي حصيلة تفاوض مع المستعمر الفرنسي بعدما إعتقد أنه قد ضم الجزائر بشكل تام لدولته، إذن فإن ظهور تونس لم يكن في سياق تاريخي حضاري عادي و إنما في إطار صفقة سياسية بين النخبة و المستعمر، و إن القول بأن الأجداد المجاهدين ضحوا من أجل إستقلال تونس هو في الحقيقة مغالطة تاريخية فالأجداد ضحوا من أجل ماض عاشوه و عرفوه، من أجل شعب مغاربي موحد، موجود منذ القديم من حدود مصر إلى المحيط، فكيف لهم التضحية من أجل دولة لم توجد أصلا ؟ إذا فتونس لا تاريخ قديم لها، و لكن يمكن القول أن الشعب التونسي هو جزء من شعب له تاريخ عظيم و هو الشعب المغاربي.
الجانب الإقتصادي: سوف لن أطيل كثيرا في هذا الجزء نظرا لإرتباطه بالمحاور الأولى التي تحثت عنها بتفصيل، فما يمكن إضافته هنا هو أن الإقتصاد التونسي الحالي لا ركائز حقيقية له يمكن أن تجعلنا نطمئن على تواصل الدولة في المدى المتوسط و البعيد و حمايتها من الإنهيار و التفكك أو ربما من الإستعمار، و من الضروري إعادة التفكير في منوال جديد يجعله أكثر إستقرارا.
و يمكن أن نطرح سؤالا لماذا كان هناك إستقرار و تطور بعد الإستقلال في عديد فترات حياة التونسيبن ؟ أليس هذا دحض لفكرة المشكل الهيكلي للإقتصاد التونسي ؟

للإجابة على هذا السؤال وجب التمعن قليلا في وضعية تونس في فترة ما بعد الإستعمار و مقارنتها بفترة ما بعد الثورة، تونس كانت دولة صغيرة محدودة الثروات و بتعداد سكاني لا يتجاوز 6 ملايين نسمة في فترة الخمسينات، و كانت كل المطالب الشعبية الخروج من مرحلة العبودية لدى المستعمر إلى مرحلة الإستقلال و تأسيس الدولة الجديدة لذلك كانت درجة الوطنية مرتفعة جدا و حب الانتماء و بناء الوطن في أوجه حتى أن معظم التونسيين الذين درسوا بالخارج عادوا إلى تونس بعد فترة الدراسة بهدف المساهمة في بناء الدولة معتبرينه واجبا مقدسا و تاركين مغريات العيش الأوروبي، فكانت التحديات أمام الدولة الوليدة أسهل بكثير من اليوم، شعب وطني متحمس و قيادة قوية و صلبة و مطالب شعبية تقتصر على التمتع بحد ادنى من العيش و الامن، لذلك كانت إدارة الدولة شبيهة بقيادة شعب في عالم كله متعثر بعد فترة تحرر جماعية في عدة دول

الخلاصة: تونس دولة وليدة لا تتمتع بمقومات الإستمرار و إنتزاعها من تاريخها و محيطها المغاربي و تغليفها بثوب قومية جديدة هي محاولات لا مستقبل لها، لذلك فإنه من الممكن القول بأن تونس بوضعها الحالي هي دولة مستحيلة.

||) الحل السحري

علينا أن نعي جيدا أن الأزمة التي نعيشها اليوم، الأخلاقية خاصة و الاقتصادية عامة و التي بدأت بوادرها قبل ثورة 14 جانفي و قبل إجراءات 25 جويلية هي علامات كبرى عن بداية نهاية الدولة الحديثة التي أسسها الأجداد بعد خروج المستعمر و سموها الدولة الوطنية و التي للأسف لم يكونوا من خط حدودها أو حدد ملامح شعبها.
و للأسف و منذ الإستقلال أجمع ساستها و قادتها عن ضرورة البناء العصري الممتد من تركة المستعمر و المتصل بشكل مباشر بأوروبا، فأسسنا إدارة المستعمر و مدارس المستعمر و أدخلنا قيم و ثوابت المستعمر دون أي مراعات لتاريخ مجتمع ضارب في التاريخ و نسينا أنه ما لم يكن لهذه الدولة الحديثة وجود لولا توحد القوى الوطنية الموجودة في المغرب الكبير و تنسيق جهودها على مستوى المقاومة المسلحة بشكل أساسي لمقاومة المستعمر و استنزافه و طرده، و لا كنا إلى يومنا هذا في تبعية مباشرة للقوى العظمى.

الدولة الحديثة كانت لها مقومات تعتمد أساسا على حب الإنتماء و التضحية من أجل الوطن و عدم إدخار الجهد في سبيل مستقبل الأبناء، فكان المواطن التونسي إنسانا قنوعا ذو أحلام بسيطة و متطلباته قليلة و الدولة قادرة في أغلب الأحيان على تلبيت مطالبه، هذه الدولة و لأسباب يعلمها الجميع من صراع على السلطة و على الهوية طيلة نصف قرن لم تطور من آلياتها و من توجهاتها الاقتصاية بل بقيت في نفس المنزلة و تخلفت بشكل كبير في مستوى الأخلاق و القيم العامة للمجتمع فأصبح طابع الأنانية و التفكير في النفس طاغيا بشكل كبير، و سوء السلوك و الكلام البذيء أحد ميزات الشعب التونسي الى جانب استفحال المخدرات و الخمر، فالرجل الذي كان يستحي من جاره و السيجارة بيده أصبح لا يرى اي مانعا بالتحرش بزوجة جاره أو التطاول على من هو أكبر منه سنا بأبشع الكلام، و المعلم الذي كان رمزا للعلم و حضوره في المجالس شرف لمستضيفيه أصبح مجرد سمسار متاجر بمستقبل أجيال كاملة، و الشرطي الذي به يحفظ القانون و تضمن حقوق الناس نراه يشترى و يباع بأقل الاثمان، مع بالطبع حفظ مقامات الشرفاء الذين مازال منهم الكثير و لكن هم في نقصان و لولاهم لما تواصلت الدولة و مؤسساتها إلى اليوم، فأصبحنا نرى مجتمعا يغلب عليه الطابع الحيواني في السلوك و الممارسة.
فكيف لإقتصاد أن يبنى على أنقاض مجتمع لا أخلاق و لا قيم له ؟ فالأخلاق ليست بالضرورة الشهادة العلمية أو الإعتكاف في المساجد أو اللبس الأنيق و السيارة الفخمة، الأخلاق هي مدى علاقة المرأ بضميره و المكانة التي كان يمنحها لنفسه، فكم قرأنا في التاريخ عن رجال فقدوا أرواحهم و أعمارهم لعزة في أنفسهم، اذن فإن المجتمع الذي لا أخلاق له لا يجد اي سبب للتضحية او الاستعداد للمساهمة و المشاركة، فلا تعنيه القوانين و لا الضرائب و لا حقوق الآخرين ، كل ما يعنيه مجاله الضيق و عالمه الخاص.
أمام الانحطاط الأخلاقي و الضعف الاقتصادي لا يكون امام أعزاء النفوس إلا الهجرة و الخروج أو الإعتكاف و اللامبالات، فنصبح في حالة هيجان من لا أخلاق له و سلبية صاحب الأخلاق الذي لا يرى في نفسه القدرة على المساهمة و الاصلاح.
أما الاقتصاد فكيف له ان يبنى على انقاض شبه شعب مشتت و مقسم لا روح تجمعه و لا غيرة تدفعه ؟ كيف له ان يبنى على مجتمع اغلبه يعاني الخصاصة و الفقر ؟ كل هذا يمكن تجاوزه بعملية اصلاح كاملة إلا أن العقبة الكبرى في قدرتنا على الانتاج و الاستهلاك، و تعلقنا الكامل بالاقتصاد الاوروبي مع ضعف حجم مبادلاتنا التجارية مع جيراننا او بالأحرى أبناء جلدتنا الذين عشنا معهم الاف السنين الى ان جاء المستعمر و قطع الأرحام و وضع الحدود و جعلنا نحميها بالحديد و النار.
الضعف على الاستهلاك و التبعية لأوروبا و التكتلات الاقتصادية الكبرى مع تخلفنا الصناعي و التكنلوجي يجعل منا مجرد دولة متجهة للإضمحلال و الإندثار فكم هي الإمبراطوريات التي قضت و اندثرت أساسا لأسباب نعيشها نحن اليوم فأين هي قرطاج و روما و اين هم الفرس و العثمانيون ؟ كلها حضارات ولدت و ماتت و ما نحن ببعيدين عن هذا المصير إن واصلنا منهاج التنصل من واقعنا المغاربي و الإفريقي و التعلق بالحلم الأوروبي.
و مازاد الطين بلة و سرع في بداية تفكك و انهيار الدولة خروج كورونا علينا و تدميرها بشكل كلي لكل الاقتصاديات الضعيفة و الخاتمة نراها اليوم مع الحرب الأكرانية.
اذن ليس لنا حل إلا في العودة للتاريخ و التعلم منه و استنساخه على واقعنا، فتونس بإعتبارها إمتداد للفضاء المغاربي كلما كانت منصهرة في محيطها الطبيعي الا و كانت امبراطورية او جزء من امبراطورية و في ذلك مثل قرطاج و المرابطون و الموحدون و الحفصيون، و كل ما كانت منفصلة عن محيطها إلا و كانت ضعيفة لا حول لها و لا قوة، مباحة من الأقوياء.
الحل في الدخول و بقوة في إندماج مغاربي متكامل يضم كل من تونس و ليبيا و المغرب و موريتانيا و الجزائر، الحل ان نبادر و ان نفتح الأبواب لأبناء الشعب المغاربي و ان ندخل في عملة اندماج و انصهار و محو للحدود مع من هو مستعد لذلك من الدول المغاربية ، اما المواطن المغاربي فواجب علينا و حق من حقوقه ان يتمتع بالحقوق المغاربية الثلاث في وطنه تونس :
* حق التنقل و السكن
* حق العمل و الاستثمار
* حق الدراسة و البحث العلمي
بفتح ابوابنا بصدق لأبناء شعبنا في الوطن المغاربي إعادة لإنصهارنا في ضائنا الطبيعي و دفع للدول المغاربية بالنسيج على نفس المنوال، فمفتاح الأزمة التونسية هي ايجاد سوق استهلاك صلبة يمكن البناء عليها، و نحن في واقعنا هذا اضعف الشعوب المغاربية و الأكثر تضررا من التمزق المغاربي، حتى ان البنك الدولي في دراسته حول كلفة اللامغرب يقر بأن الدول المغاربية تخسر 3 نقاط نمو سنويا و هذا الرقم بالنسبة لتونس قادر على ان يقضي على خمس البطالة في السنة الأولى من الاندماج الاقتصادي المغاربي، حتى الاقتصاديون يرجحون ان الاندماج الاقتصادي المغاربي قادر على أن يقضي تمانا على البطالة في المنطقة بعد سبع سنوات من الإندماج و ان يصبح الاقتصاد المغاربي من بين العشرين الكبار و ان المنطقة المغاربية سوف تكون جذابة لليد العاملة الأجنبية لحجم اقتصادها و ثرواتها.

فسوق المائة مليون مواطن و المساحة التي تتجاوز خمسة مليون كلم مربع و شريط بحري يتجاوز 6000 كم كلها دعائم لإقتصاد ضخم سوف يكون له إشعاع عالمي كبير و منقذ أساسي لبلدان شمال افريقيا خاصة و القارة السمراء عامة.
فالتدهور الاخلاقي و الضعف الاقتصادي المستمرين سببهما الأساسي الزج بالشعب التونسي المغاربي في فضاء هجين معزول و منحصر فلا ثروات طبيعية يملكها و لا هو قادر على ان يصنع او ان يتطور علميا.
اذن الموضوع في تونس ليس الفساد و الشعار الذي يجب أن يرفع هو "إعادة هيكلة الإقتصاد و إنفتاحه مغاربيا"، إقتصادنا صغير جدا و حجم الإستثمار ضعيف جدا و الصعوبات كبيرة، علينا أن نضع تصورا جديدا يقلب الموازين بالمرة و الفساد أمر لا مفر منه لكن على أي أرضية و بأي هدف ؟ أن تمسك كل المهربين اليوم يعني القضاء على ولايات بأكملها و الدخول في مواجهة مع أهاليها، بيع الشركات العمومية الخاسرة او تسريح جزء من عمالها سوف يجعلك في مواجهة مع الإتحاد العام التونسي للشغل، فرض ضرائب على الشركات الأجنبية سيدفعها إلى البحث عن مكان آخر للإستثمار، مزيد التضييق على الشركات الخاصة التونسية سيدفع أصحابها الى الإفلاس خاصة مع جائحة كورونا.
شعار مكافحة الفساد شعار سهل و يمكن إستهلاكه و يجعل المواطن الفقير يتبعه بصدق و بكل جوارحه، لكن هل يمكن فعلا القضاء على الفساد الذي من دون أن نشعر هو نفسه مصدر أساسي لتوفير لقمة العيش ؟!!
ختاما الحل واضح و جلي و لا يحتاج إلا جرأة و شجاعة، فنحن لا نطلب بدعة او مستحيلا، نحن فقط نريد ان نعود كما كنا شعبا عزيزا في وطن عملاق خط حدوده الأجداد و ليس المستعمر.

* خالد الرحموني
مواطن مغاربي

Commentaires


0 de 0 commentaires pour l'article 259082