إجراءات 25 جويلية من ضيق الشرعية الدستورية إلى رحاب المشروعية الشعبية ...




وفاء الطرابلسي


أعلن رئيس الجمهورية قيس سعيد يوم 25 جويلية 2021 في خطاب له بالتلفزة الوطنية التونسية إقالة رئيس الحكومة هشام المشيشي و تجميد البرلمان ورفع الحصانة عن النواب، وذلك إعتبارا أن عمل البرلمان أضحى يسوده الفوضى والعنف اللفظي والمادي بين عدد من نوابه، وإستند رئيس الجمهورية في قراره هذا إلى الفصل 80 من دستور جانفي 2014 ، والذي منح لرئيس الدولة في حالة خطر داهم مهدد لكيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها، يتعذر معه السير العادي لدواليب الدولة، أن يتخذ التدابير التي تحتمها تلك الحالة الاستثنائية.
فقد كانت ردود أفعال الأحزاب السياسية بين المعارض، والمؤيد لقرار رئيس الجمهورية، فقد وصف حزب النهضة وحزب العمال القرار بالانقلاب، واعتبره الحزب الجمهوري والتيار الديمقراطي خرقا للدستور والذي يمثل أعلى سلطة قانونية في الدولة، بينما أيدته حركة الشعب واعتبرته تصحيحا لمسار الثورة. أما الاتحاد العام التونسي للشغل فقال إنه لا يعتبر القرار انقلابا، ولكنه دعا إلى احترام الدستور. فبعد القرار مباشرة خرج تونسيون بالآلاف للشوارع، مرحبين بقرار رئيس الجمهورية، واعتبروه خطوة جريئة من رئيس الدولة لحماية أمن وإستقرار الوطن.



مامدى شرعية ومشروعية تطبيق الفصل 80 من الدستور ؟

طرح تطبيق هذا الفصل جدلا واسعا خصوصا من الناحية القانونية وقد نص هذا الفصل على :
" لرئيس الجمهورية في حالة خطر داهم مهدد لكيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها، يتعذر معه السير العادي لدواليب الدولة، أن يتخذ التدابير التي تحتمها تلك الحالة الاستثنائية، وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب وإعلام رئيس المحكمة الدستورية، ويعلن عن التدابير في بيان إلى الشعب "
فالفقرة الثّانية من نفس الفصل تنص على أنه : "يجب أن تهدف هذه التّدابير إلى تأمين عودة السّير العادي لدواليب الدّولة في أقرب الآجال، ويُعتبر مجلس نواب الشعب (البرلمان) في حالة انعقاد دائم طيلة هذه الفترة. وفي هذه الحالة لا يجوز لرئيس الجمهورية حل مجلس نواب الشعب كما لا يجوز تقديم لائحة لوم ضد الحكومة ."
وتقضي الفقرة الثالثة من الفصل 80، بأنه "بعد مضيّ 30 يومًا على سريان هذه التّدابير، وفي كل وقت بعد ذلك، يعهد إلى المحكمة الدستورية بطلب من رئيس مجلس نواب الشعب أو 30 من أعضائه البتُّ في استمرار الحالة الاستثنائية من عدمه.
ويشير ذات الفصل في فقرته الأخيرة إلى أن "المحكمة تُصرِّحُ بقرارها علانية في أجل أقصاه 15 يومًا، ويُنهى العمل بتلك التّدابير بزوال أسبابها. ويوجه رئيس الجمهورية بيانا في ذلك إلى الشعب
"
إنطلاقا من تفعيل هذا الفصل، فقد طرحت العديد من الأسئلة الجوهرية التى تهم تأويل النص فهل يمكننا تكييف المؤسسات السيادية للدولة (الحكومة والبرلمان) مصدرًا للخطر الداهم المعطل لدواليب الدولة؟ وهل يسمح التأويل أو الواقع بمخالفة صريح النص بخصوص بقاء البرلمان في حالة انعقاد ؟
فحتى الداعمين لقرارات رئيس الجمهورية، لم يختلفوا بخصوص مسألة “التأويل الموسّع” للفصل، فيما لم يتردد المعارضون، وكذا مختصّون في القانون الدستوري كالأستاذ عياض بن عاشور والأستاذ كمال بن مسعود، أن القرارات تعكس “خرقًا جسيمًا” و”انقلابًا على الدستور”، عبر الفصل الذي يبدو قد اتخذه رئيس الجمهورية نافذة لإعادة رسم المشهد السياسي والمؤسساتي في البلاد وضمان إستقرار الدولة على كل المستويات، حيث أول وأهم شرط يجب أن يتوفر في تطبيق هذا الفصل هو وجود المحكمة الدستورية، فالفصل قائم على مجموعة من العناصر الواضحة لتفعيله، وهي عدم حل الحكومة، وحالة الانعقاد الدائم للبرلمان، والتعاون والاستشارة بين مختلف المؤسسات، وعدم إمكانية توجيه لائحة لوم للحكومة ككل.


لكن ما أفرزه الواقع أن رئيس الجمهورية تجاوز الإنعقاد الدائم للبرلمان، والتعاون والإستشارة ليصل الأمر إلى حل البرلمان التونسي بصفة نهائية يوم 30 مارس 2022، وذلك إستنادا للفصل 72 من الدستور التونسي والذي جاء فيه أن:" رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة، ورمز وحدتها، يضمن إستقلالها وإستمراريتها، ويسهر على إحترام الدستور ."
فالدستور نص على شروط حل البرلمان صلب الفصل 77 منه، في الآن نفسه اعترف سعيّد قبل يومين من قراره بأنها لا تخول له حل البرلمان. وحتى في حالة حل مجلس النواب يقتضي الدستور أن يعقبه تنظيم انتخابات عامة في غضون 90 يوما. وهذا لا يتطابق مع الأجندة الانتخابية التي أعلن عنها الرئيس الذي طالما شدد في خطبه على أنه يستند إلى "المشروعية" في مواجهة "شرعية" تآكلت ولم تعد تحظى بشعبية ، حيث إعتبر أنها لحظة للقطع مع تعفن الأوضاع السياسية وإستعادة سلطة الدولة بعد إنتشار الفوضى .إذ رأي المحلل السياسي بولبابة سالم أنه و بعد 9 أشهر تبين أن كل الوعود لم تتحقق وإنتشرت محاكمات المدنيين أمام القضاء العسكري، وبالتالي تعد هذه الخطوة حسب رأي البعض كآخر مسمار يدقه رئيس الجمهورية في نعش المؤسسات الديمقراطية المنبثقة عن دستور، في ظل غياب محكمة دستورية تحسم الجدل القانوني والدستوري يبدو أن الأمور في نهاية المطاف باتت تخضع لمنطق سلطة الأمر الواقع.

عملية قيصرية لبلد يغرق في أزمة إقتصادية وإجتماعية ..

في ظل ماتشهده البلاد من ظروف إقتصادية وإجتماعية صعبة عانت منها طيلة هذه العشرة سنوات على وجه الخصوص من فقر وبطالة وغلاء أسعار، قرر رئيس الجمهورية تفعيل الاستشارة الإلكترونية التي إنطلقت بداية 2022، وكان سعيّد يريدها كأداة لإظهار قاعدة شعبية له، فقد إنتهت هذه الإستشارة في 20 مارس 2022 ولم تحقق سوى نسبة ضئيلة من الإقبال عليها، إذ لم تتجاوز نسبة المشاركة فيها 5 في المائة من مجموع سكان تونس.
في نفس السياق إختار رئيس الجمهورية 25 جويلية 2022 كموعد لإستفتاء شعبي وذلك سعيا منه لتوظيف رمزيته الخاصة في تاريخ البلاد التونسية، ذلك الاستاذ الجامعي الذي درس القانون الدستوري بكلية العلوم القانونية ، جاء لعالم السياسة مستندا على خطاب شعبوي لايمت للمنظومة السياسية بصلة، أراد تخليد أسمه في التاريخ بطريقة غير تقليدية بين صفوف زعماء تونس كالحبيب بورقيبة والباجي قائد السبسي. وهو ما يسعى له العديد من رؤساء الدول حاليا كبشار الأسد وعبد الفتاح السيسي...الخ
فالطريقة التي إعتمدها قيس سعيّد في تجميد المؤسسات الديمقراطية المنبثقة عن الدستور وتوظيفه لشعارات شعبوية ضد الأحزاب والطبقة السياسية برمتها ومنظمات المجتمع المدني، ورفضه للدعوات المتكررة داخل البلاد وخارجها لتدشين حوار وطني حول الاصلاحات السياسية والاقتصادية؛ تشي بملامح نزعة سلطوية في طريقة حكمه وهو ما أفاد به العديد من المحللين السياسيين والإعلاميين.

ففلسفة الإنتخابات تتنافى مع النزعة السلطوية إذ تعد الإنتخابات تجسيم لإرادة الشعب، وتتركز على عدة نقاط كبرى ألا وهي : القانون الإنتخابي الذي أصبح شبه مهجور في تونس، كذلك الدستور الذي يعانى من لغط ولبس في تأويله، علاوة على عملية سبر الأراء ودورها في التحشيد والتأثير على الناخبين مستقبلا.فالإنتخابات تفرز نتيجتين إما إقصاء لفئة معينة أو تشريع لفئة أخرى للحكم، وما لاحظناه على أرض الواقع أن الرئيس قيس سعيد تفادي كل هذه المراحل ليحافظ على مكانته وسلطته داخل قصر قرطاج بإستعمال آليات " قانونية دستورية " بدلا من إنتخابات تحسم الإستقرار السياسي الذي أصبح غير واضح وغير مضمون.

لحظة 25 جويلية تم الإستيلاء عليها من قبل من لا دين ولا وطنية ..

هكذا دونت مدير الديوان الرئاسي السابقة نادية عكاشة، صبيحة يوم الإثنين في تدوينة لها عبر فايسبوك ، وإعتبرت أن 25 جويلية هي لحظة حاسمة في تاريخ تونس وأنها سعت للقطع مع الماضي السياسي المتعفن الذي نخر مؤسسات الدولة، حيث إعتبرت أن هذا المسار تم الإستيلاء عليه من قبل زمرة من الفاشلين الذين لايفقهون شيئا غير إحتراف الإبتذال والتشويه والتضليل.
لقت هذه التدوينة العديد من الإنتقادات والإتهامات لنادية عكاشة، حيث تم تحميلها المسؤولية لما حدث سابقا من إنقلاب على الدستور والشرعية وهو ما أفاد به الوزير السابق للصحة عبداللطيف المكي.

القوى الدولية و تدابير 25 جويلية ... الضفة الأخرى

تواجه حكومة نجلاء بودن التي عينها سعيّد خلفا للمشيشي، تحديات كبيرة في مفاوضاتها مع صندوق النقد الدولي حول الإصلاحات التي يشترط الصندوق أن تكون مساعداته مقترنة ببرنامج إصلاحات اقتصادية، فأمريكا تدفع بعودة مؤسسات الدولة وهو ما تقايض به حاليا تونس. إذ لا يختلف إثنان أن المسيرة نحو التقليص من الأحزاب وحرية الإعلام وحرية التعبير هو الوجه الساطع للدكتاتورية.
فالعلاقات التونسية الأمريكية لا تقتصر على البعد الإقتصادي فحسب الذي يتمثل في صندوق النقد الدولي والبنك الدولى إنما كذلك تلعب أمريكية دورا هاما في الجانب الأمنى التونسي على مستوى تكوين القيادات العسكرية وبرنامج بناء مؤسسة الدفاع العسكرية لإحداث مركز للأبحاث العسكرية تابع لوزارة الدفاع .

إذ تعتبر النقابة أيضا لاعبا سياسيا محوريا في المشهد السياسي، فقد كانت في نفس الوقت شريكا في الحكومات المتعاقبة ووراء إسقاط حكومات عديدة بعد الثورة. وهي تقف اليوم موقف مساندٍ حذر لقرارات سعيّد، لايخفى أن طرحت مسألة ما مدى شرعية الإتحاد لسيما أن نور الدين الطبوبي مطعون في شرعيته ؟

نقاط إستفهام عدة في المشهد السياسي التونسي ...انتظارات فئات اجتماعية واسعة وخصوصا الشباب المتذمر من الوضع السياسي وخاصة الإقتصادي الذي لم يتحسن في السنوات العشر التي أعقبت الثورة، ومخاوف أوساط رجال الأعمال من أن تطالهم عصا "محاربة الفساد" التي يرفعها قيس سعيد في ظل غياب معايير واضحة لحد الآن. وبالمقابل تعارض المركزية النقابية إدخال إصلاحات هيكلية على منظومة اقتصادية يهيمن فيها القطاع العام وقوانين تحمي المحتكرين ونظام ريع متجذر في البلاد. ومن جهتها دعت أكثر من 30 منظمة محلية ودولية إلى تعليق مرسوم قانون رئاسي بالعفو الجنائي، أصدره سعيّد لصالح مرتكبي الجرائم الاقتصادية واعتبرت أنه يكرس حماية الفاسدين و"الإفلات من العقاب."

Commentaires


0 de 0 commentaires pour l'article 245270