عجزنا الجماعي في طلاء من التحذلق



المهدي الجندوبي

هل مات سي الباجي رحمه الله مقتولا؟ سؤال حارق من رحم العجز الجماعي اﻟﺬي يبتدع قضايا في حجم جنس الملائكة اﻟﺬي خاضت فيها أعرق المؤسسات العلمية في القرون الوسطى و تجند لها دكاترة الصربون في ﺬلك الزمن.

طلبت وزارة العدل فتح بحث تحقيقي حول ظروف و ملابسات وفاة الرئيس السابق في سن تجاوز التسعين و قبيل اسابيع من إنتهاء عهدته سنة 2019، و تجندت قرائح المحللين و الدارسين و شهادات المعاصرين و كل يدلو بقطعة من حديث توحي بصحة الفرضية أو بتفنيدها، و نشرت المواضيع الصحفية و فتحت حلقات النقاش التلفزية و الإﺬاعية و أتصور من الآن كم موظف سام سيجبر بحكم الواجب المهني على إعداد التقارير و حضور الجلسات المغلقة لمتابعة القضية في كل مراحلها و ستنتهي حتما بتقرير ختامي سيزيد الغموض غموضا. و الأيام بيننا. ليته يرفق حينها بورقة تحصي كم ساعة عمل لكوكبة كبار موظفي الدولة اﻟﺬين سيخوضون المغامرة.

في المقابل بقيت قضايا أخرى "حارقة" طي الإهمال و النسيان، و كأن تونس تجاوزت بنجاح مشاكلها الأبدية مثل البطالة و عطالة شباب يجوب الشوارع و يعمر المقاهي بعد ان صرفت عليه الدولة عشرات المليارات من تعليم و رعاية صحية، هذا دون الحديث عن تضحيات الأوليات و أحلامهم المنهوكة. هل سمعتم بتقرير تعده لجنة من العلماء و كبار الموظفين حول مهن المستقبل؟ لم اسمع بذلك و أدعي أنني متابع عن قرب للشأن الوطني.
يقول الفيلسوف و عالم الاقتصاد ماركس، أن المجتمعات لا تطرح على نفسها سوى الأسئلة التي تقدر على حلها. فمجتمع القرون الوسطى عندما يجادل علماؤه هل الملائكة من جنس اﻟﺬكور أو الاناث هو وقتها عاجز على مواجهة مشاكل واجهتها البشرية بعد ﺫﻟﻚ بأكثر اقتدار. و تطول قائمة "القضايا المصيرية" التي تلهب عقولنا في تونس و تتصدر اهتماماتنا و هي من صنف إشكاليات جنس الملائكة، و ليست قضية فرضية تسميم سي الباجي رحمه الله أو قتله بوسيلة مبتدعة أخرى ، سوى واحدة منها ظهرت على السطح ظرفيا و ستختفي كسابقاتها.
لنعد الى سنوات مضت. كم كلمة كتبت عن السيد حافظ قائد السبسي و كم كلمة كتبت عن السيد سليم الرياحي؟ كم تصريح نشر و كم تعليق كتب و كم دقيقة اﺫاعية و تلفزية تم بثها، لكل واحدة من الشخصيتين و كم موقع إلكتروني نشر و اعاد نشر ما يخصهما من بعيد و من قريب بين الصحيح و الكاﺫب؟ طبعا هما شخصيتان من "الوزن الثقيل" في السياسة التونسية و من "صانعي الحدث" كما نقول في مهنتنا الصحفية المجيدة. هذا "الوزن الثقيل" كما خيل لنا أنذاك هل أكدته الأحداث لاحقا؟

في المقابل و في نفس الفترة، كم كلمة و كم دقيقة خصصت للجامعة التونسية التي تحتضن أكثر من ربع مليون طالب و آلاف الأساتﺬة الباحثين اﻟﺬين ينشرون مقالات في مجلات علمية تونسية و عالمية و تخصص لهم أكثر من 5 في المائة من موازنة الدولة. كم كلمة كتبت حول حدث علمي مزلزل، مر في شبه صمت و هو نشر بيت الحكمة سنة 2014 للموسوعة التونسية في مجلدين و بعث النسخة الإلكترونية المتواصلة الى اليوم.
كذلك كم خبر و كم دقيقة و كم تحليل تم تخصيصة لكل قضايا الريف التونسي حيث يقطن حوالي 3 ملايين شخص أو على الأقل للفلاح كطرف فاعل رئيسي في الاقتصادي المحلي يساهم بنسبة 10 في المائة من الناتج الداخلي الخام و يشغل 15 % من القوى العاملة وطنيا؟

و كم كلمة و كم دقيقة تم تخصيصها لشريحة ﺬوي الاحتياجات الخاصة بكل اصناف إعاقاتهم و هم يمثلون حوالي ربع ملبون نسمة حسب الإحصاءات الرسمية، باستثناء الاهتمام الظرفي و المحمود بهم طوال الألعاب البارا أولمبية لأنهم يصنعون النجاح في ظروف صعبة.

اﺫا كان نقد الأداء الإعلامي و هو الحلقة الأخيرة و البارزة للعيان في معالجة مثل هذه القضايا، ضرورة ملحة سواء من داخل المهنة أو من خارجها فأن المشكلة أبعد ما يكون أن تكون مسألة إعلامية تقنية تقتصر فيه المسؤولية على أهل المهنة و الاختصاص في الحقل الصحفي، بل هي في صلب العقل السياسي التونسي و مستويات إدراكه لأولويات المجتمع و قضاياه لأن الإعلام يتغذ ى بقرارات القيادات السياسية في السلطة و المعارضة و يؤثث برامجه بتصريحاتهم و حواراتهم.

و هي أيضا في صلب ازمة عميقة في ثقافة نخبة عجزت على الارتباط الطبيعي و السليم بقضايا الناس لتشخيصها و فهمها و التعبير عنها و المساهمة في حلها. و زادت دوامة وسائل الاتصال الحديثة و الشبكات الاجتماعية التي حولت كل صبي الى رئيس تحرير يكتب و يصور و ينشر للعموم، الوضع تعقدا و تعاظم شرخ القطيعة بين النخبة و أصولها الاجتماعية و هي مفارقة عجيبة: كنا نتصور أن الديمقراطية التي تسمح بانتخاب الأفضل و الأقرب للناس و الأدرى بمشاغلهم، و أن الإعلام المتعدد و المتنوع هو الضامن للانسجام بين القاعدة و القمة (القمة الحاكمة و القمة المعارضة)، فما راعنا الا أن نرى و نقف عاجزين أمام انفصام تاريخي بين الشعب و من يمثله و يحدد مصيرهǃ
و كم قضية شبيهة بجنس الملائكة تنتظرنا في تونس...في قادم الأيام كلما عجزنا جماعيا سلطة و معارضة و شعبا، على ايجاد حلول للبطالة و لغياب دور الثقافة في الأحياء الشعبية و في تنامي المدمنين على المخدرات في اوساط الشباب و للمسابح التي بنتها البلديات في الستينات و بقيت الى اليوم مغلقة و مهملة و في العدد المتنامي من الشباب اﻟﺬي اقتنع ان الموت في البحر مغامرة تستحق أن يخوضها، و أنت ايها القارئ العزيز أدرى ببقية القائمة.
فهل مصيرنا أن نقتل إشكالية جنس الملائكة في نسختها التونسية، قتلا كما قالت العرب عندما تستوفي الموضوع دراسة و جدلا، و أن نزين عجزنا الجماعي بطلاء من التحذلق؟


ملاحظة أخيرة بين الجد و الهزل: كنت أتمنى لو تم تكليف فريق من الأطباء المتخصصين في العقد الثالث من العمر gérontologues بالانكباب على سر بقاء سي الباجي رحمه الله الى ما بعد التسعين من العمر و هو على ﺫﻟﻚ النشاط و خفة الروح التي عرفناها عنه. وقتها تكون التقارير نافعة للجميع. رحمه الله و هدى من يخلفه إلى أبد الدهر، على رأس تونس و التونسيين.




Commentaires


0 de 0 commentaires pour l'article 238795