لقد استلمته منهم كورونا..



نصرالدّين السويلمي


راشد الغنّوشي.. يفرض هذا الرجل نفسه ويثير انتباه السّاحة حين يمارس بصفته الحزبيّة كما الرسميّة كما في ظهوره كما في اختفائه، في سفره وفي تصريحاته، في حواراته وفي خرجاته بل في هاتف تهنئة لهذه الشخصيّة أو تلك.. وها هو يفرض نفسه في مرضه، وصل الأمر بخصومه إلى الدّعاء عليه بالموت.. هذا يدفعنا إلى محاولة للاقتراب من الغنّوشي الرّقم واحد في السّاحة التونسيّة منذ الثورة ومن الأرقام الأولى قبل الثورة، من أرقامها البارزة منذ اعلان 6 جوان 1981، هو أيضا من الرّموز العربيّة وأحد الفاعلين في السّاحة الإقليميّة كرجل سياسة وكمفكّر منتج في المشهد الإسلامي، هذا المشهد الذي لم يعد يعني العالم الإسلامي فحسب، لأنّ الغرب أصبح أكثر إلحاحا من أي وقت مضى على الاقتراب من الإسلام المفعّل في شموليّته وليس ذلك المنكمش في دور العبادة .


بعيدا عن النّوايا قريبا من السّلوك والممارسة يمكن القول أنّ الغنّوشي يعتمد بشكل كلّي على فنّ الممكن ولديه قدرة كبيرة على الاقتراب من الصّورة وفحصها ومن ثمّ التفاعل معها دون الجزع منها أو السعي إلى الهروب من تكاليفها والاحتماء بالمعاني الجميلة، وهو لا يقول بمفهوم الوفاء الحرفي والمستعجل لأهداف الثورة ولا يعمل على استخلاص الحقّ المطلق واستنقاذ العدل في حلله الزّاهية وإلى ذلك من المعاني النّبيلة التي سقط من أجلها الشّهداء وسالت في سبيلها دماء كثيرة خلّفت لأصحابها عاهات مستديمة. يبدو الغنّوشي في قطيعة مع الحقّ الثوري في كليّاته وزخمه العالي ويلوح غير مستعد إلى الانكباب على الثورة في زينتها الأولى كما لقّحها ضحى سبعطاش ديسمّبر وكما ولدتها أمسية أربعطاش جانفي، يميل الغنّوشي إلى التقسيط وربّما التقسيط المريح في الوفاء للثورة ومضامينها الجميلة، وتقضي فلسفته بالابتعاد عن الوقفات النضاليّة الكبرى واعتماد المرحلية، وهو من الشخصيّات التي تتجنّب التحشيد للّحظات الفاصلة بل يكره المفاصلة ويجنح إلى ثقافة النّفس الطويل .

حين نتابع أداء الغنّوشي بإمعان تحصل لدينا قناعة أنّ زعيم النّهضة عمد إلى أهداف الثورة فقسّمها وبوّبها واعتمد أسلوب الأهمّ فالمهمّ، ورصد علامات لم يسمّيها وإنّما دلّت عليها خياراته، وضع في سلّم أولويّاته السعي إلى منع السقوط النّهائي للثورة وبالتالي العودة إلى مربّع ما قبل 17 ديسمّبر، ثمّ في درجة ثانية الحفاظ على التداول السلمي على السلطة بأنّاته وإعلامه المنحاز ولوبيّاته وسبر أرائه الماكرة، ففي ثقافة الرّجل كلّ تلك المنغّصات قابلة للتصفية مع الوقت طالما ظلّت الصناديق هي الفيصل والهيئة المشرفة حرّة ونزيهة وطالما ظلّ شبح التزوير المباشر تحت السيطرة موصودة دونه الأبواب .

يوحي بل يؤكد أداء الغنّوشي أن الحريّة لديه بمثابة "عجب الذنب" والمادّة الخامّ والخميرة التي لا بديل عنها في كلّ مشاريع البناء الديمقراطي، وجميع المشاريع التي تبنى على قواعد فاقدة للحريّة مهما بدت برّاقة ومغرية فهي تختزل بذور الفناء في أحشائها، تلك مفاهيم الرّجل التي انحاز إليها والتي تقود خياراته وتبدو جليّة في جميع السياسات التي تبنّاها، وإن كان الغنّوشي يعبّر من الحين للآخر عن احترامه لانتصارات الثورة المعنويّة فإنّه ليس بالشغوف ولا يُعتبر أحد مريدي هذا النّوع من الانتصارات، وتراه يبحث عن الانتصار الملموس الذي يخلّف تبعات إيجابيّة وإن كان انتصارا خافتا منقوصا، وقد ترجم ذلك حين ارتضى الاقتراب من رموز المنظومة القديمة التي أعادها مكوّن جبهة الانقاذ إلى الواجهة ومكّنها من السلطة، وما يعنيه من انهزام معنوي للثورة في بريقها وإشعاعها، فعل ذلك مقابل الحيلولة دون وقوع الانتكاسة الكبرى أو إصابة الحريّات في مقتل قد يصعب تطبيبها وتنتهي تونس إلى ما يشابه السيناريو المصري .
يقول بعض خصوم الغنّوشي أنّ زعيم النّهضة لم يتحرّك باتجاه المنظومة القديمة ويفتح معها قنوات تواصل خشية على الثورة وإنّما فعل ذلك خشية على حركته، واتهموه بتأمين الحركة على حساب الثورة، وهي في الحقيقة انطباعات تتجاهل التداعيات الكارثيّة لتصفية الإسلاميّين من أي مشهد، وتتغافل عن التصحّر الذي اجتاح الحياة السياسيّة في تونس إثر عمليّة الاجتثاث الرهيبة التي نفّذها بن علي ضدّ الإسلاميّين، حينها فشلت البلاد بدونهم في التحرّك خطوة واحدة إلى الأمام، وانتهت إلى أكبر عمليّة قحط وجفاف سياسي شهدته تونس خلال عصرها الحديث، أيضا لم يستوعب هؤلاء التجربة المصريّة التي تحالفت فيها جميع القوى من يسارها إلى أزلامها ضدّ الإخوان وقاموا بإقصائهم بالحديد والنّار على أساس التمكين لثلاثي الخيار المدني "البرادعي ، موسى، صباحي" ، لكن وبعد الانتهاء من الإخوان اتضح أنّ الأمر { كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا}، وبان بالكاشف أنّ انتقالا ديمقراطيّا دون وجود الإسلاميّين يشبه إلى حدّ بعيد ذلك الحمل الكاذب، من هنا يتبيّن أنّ القضاء على النّهضة وازاحتها خارج المعادلة بغير سبيل الصناديق يعني انتهاء العمر الافتراضي لعمليّة التحوّل الديمقراطي في تونس، لأنّ البلاد ستجد نفسها أمام سيناريو التسعينات وسيناريو ما بعد الانقلاب العسكري في مصر، ولا نحسب أنّه يمكن الحصول على ديمقراطيّة زاهية وتداول سلمي على السلطة وصناديق عذراء شريفة بريئة من الخطيئة، بالتوزاي مع إقصاء أكبر مكوّن حزبي في تونس . لقد أثبتت التجارب في جميع الدول العربيّة والإسلاميّة أنّ الديمقراطيّة دون الإسلاميّين تعني دكتاتوريّة مقنعة سيفتضح أمرها مع أوّل اختبار جدّي، تماما كتلك اللعوب الموحشة التي تداعى إليها خبراء الحلاقة والتجميل وهيؤها وأخرجوها في أحسن مظهر ودفعوها برفق لتسرح فوق البساط الأحمر النّاعم، فإذا بها تمطر .. لتقوم "النو" بالكشف عن جريمة التدليس الكبرى .

ليس ذلك انتصارا لرؤية الغنّوشي على حساب رؤى أخرى، وليس بالنقل الحرفي لسياسات الرّجل المنطوقة، إنّما هو استنطاق لمجرى أقوال وأفعال زعيم النّهضة، وإن كنّا لا نختلف في أنّ الغنّوشي بصدد هندسة توافقات أثارت هالة من الجدل وفيها من الجرأة الكثير، فإنّنا نجزم أنّ الغنّوشي يقرأ يس ويضع الحجر في كلتا يديه، وعادة ما يسبّق حسن النّيّة ثمّ يدجّجه بالاحتمالات الأخرى، لا يترك نفسه فريسة للارتياب: هل الأطراف التي شيّدت معه التوافق فعلت ذلك لتبسط أجنحة الحمام أم أنّها تدسّ أنف الثعالب!لا يترك نفسه فريسة للحظ، بل يحتاط ويجهّز ما أمكن من بدائل ويمضي بلا تردّد.

ولعل أكبر مزايا الرجل أنه وبلا منازع رائد الالتحام بين الدولة والاسلاميين في الوطن العربي، ذلك الالتحام الذي شكلت المرونة رصيده الأكبر، والذكاء والفهم اهم أدواته، لقد ادرك الغنوشي أن الدولة لديها حساسية من الاسلاميين وان معارك العقود لا يمكن ان تنتهي بقبلة شرهة عميقة ثم يتم البناء.. وأن أخطر ما في هذه العلاقة هي عملية "التكبيش" يصل الحزب الاسلامي الى السلطة ثم يكبش رغم الاكراهات، تلك مقتلة اثبتتها تجارب عربية سابقة، لذلك اعتمد الغنوشي القبل الخفيفة ثم التراجع ومن ثم العودة اللينة، تلك سياسة الملامسة والملاطفة والمجانبة الى ان يذوب الجليد بين خصوم الامس اصداء المستقبل ولو كره الكارهون.

هو الآن أصابه مرض كورونا، الآن أيضا هناك من يدعو له بالشفاء العاجل، وهناك من يدعو له بالموت العاجل، حالة من الإشفاق ومثلها من التشفّي، بعضهم يخشى على العقود الثمانية أن لا تتماسك أمام الفيروس، وبعضهم يستبشر بأنّ العقود الثمانية لن تتماسك أمام الفيروس.. بين هذا وذاك وأولئك شخصيّة سياسيّة فكريّة دعويّة شغلت نفسها سنة 1966 وأطلّت على المشهد سنة 1969 وشغلت السّاحة بشكل رسمي وقويّ منذ سنة 1981.. وهـــــا قد سلمه حلف بن زايد الجديد المتجدد الى الكوفيد.. استلمته منهم كورونا.. انهم يتداولون عليه.. وكانه لا يرتاح.. وكانه لن يرتاح...وكانه لا يستسلم.. وكانه لن يستسلم.. ربما هو العناد.. وربما "إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها".

Commentaires


6 de 6 commentaires pour l'article 229210

Neuneu  (France)  |Vendredi 23 Juillet 2021 à 07h 58m |           
Bon rétablissement

Biladi2012  (Tunisia)  |Jeudi 15 Juillet 2021 à 06h 15m |           
ملخص جيد، ربي يشفي مرضانا ويحمي تونس

RESA67  ()  |Mercredi 14 Juillet 2021 à 11h 25m |           
Rabbi yechfih

BenMoussa  ()  |Mercredi 14 Juillet 2021 à 08h 57m |           
عنوان يبعث على الإشمئزاز لما فيه من حط من القيمة بل وترذيل مؤسف
فهل الغنوشي حيوان او شخص بلا ارادة ليستلمه هذا او ذاك
لماذا الاصرار على الاهانة وقلة الاحترام بدعوى الحب
بصراحة لم اجرأ على قراءة المقال لما شعرت به من "القرف" من العنوان
هداك الله يا سويلمي

3azizou  ()  |Mercredi 14 Juillet 2021 à 08h 17m |           
ملخص رائع لمسيرة الرجل ربي يشفيه

Shadow  (Tunisia)  |Mercredi 14 Juillet 2021 à 08h 16m |           
لماذا لا تتخذه ربا لك. تعبده أنت و امثالك. لعنة الله على الاخوان الذين خربو البلاد