"النهضة"، إستعراض الحشود عوض الفاعلية

Photo  Yassine Gaidi /AA


فوزي مسعود

كتبت في عام 2011، مقالا بعنوان: حركة "النهضة" و هواية إستعراض الحشود، بينت فيه خطر منهج قيادة النهضة في مواجهة الأعداء من خلال الاستعراضات، وأن تلك الحشود لايمكنها منع الثورة المضادة.
لسبب ما تواصل حركة "النهضة" إعتماد الحشود كأداة قوة وفعل سياسي، في ما يأتي ساوضح مرة أخرى أن هذه الجموع لا قيمة لها بالمعنى المقصود منها، وأنها قد تمثل دلالات سيئة.


باستقراء التاريخ، يمكننا القول أن الجموع لم تكن عموما منطلق تغيير وثورة، وأن فعلها المؤثر يكون تبعا لإرادة وفعل سابق ينجزه عادة فرد أو مجموعة صغيرة من الأفراد.
الجموع حينما تفعل إنما يكون ذلك من منطلق إرادة المجموعة، أي فعل ينجز في نطاق ضعف موقف فرد و إحالته للآخر الذي يقرر محتوى الفعل وإتجاهه، أي أن الجموع حتى حينما تنجز فهي لا تفعل إلا من خلال التخلي عن إرادتها الفردية وتكليف غيرها بذلك، أي أن الفعل يتم من خلال إحالة للغير وإستقالة من مجال الفعل في منطلقه.
هذا الغياب عن القرار وإحالته للغير وعدم الوعي بكل ذلك، ودليله مواصلة التواجد في مجال الفعل، يكفي لوسم أفعال الجموع بأنها نوع من إنعدام الوعي بالفعل المنجز، مما يطرح ظلالا من الشك حول جواز إلزام الجموع بذلك الانجاز أو حتى بفكرة الفعل في أصله النظري.
كنموذج لذلك فإن موجد الكون أختار أفرادا لتبليغ رسالته وهم الانبياء والرسل، ولم يختر مجموعات، ثم تلتحق عصبة متميزة بشخصياتها، بالنبي / الرسول، وتأتي بعد ذلك الجموع. وهذه القاعدة تنطبق كذلك عموما على قادة التاريخ.
يمكن أن نخرج بما يشبه القاعدة، وهي كلما أقترب التابع / اللاحق لصاحب الفكرة / الرسالة، كان أكثر تميزا فكريا من حيث الوعي والفهم، لأنه الأرجح، ساهم في إنشاء الفكرة أو تأسيس نشرها، وكلما أبتعد كان الأرجح أن إرتباطه من نوع مجاراة فعل الجموع والتبعية والإمعية، وإحالة للغير وإستقالة من اتخاذ القرار. فالنبي يليه كبار الصحابة ثم رؤساء القبائل ثم أفراد القبيلة الذين يكفي في قبولهم الاسلام عادة، قبول شيخ القبيلة لذلك، أي إحالة اتخاذ قرار الاسلام للغير رغم أهمية الفعل. وقس على ذلك في الحركات الايديلوجية كالماركسية أو حركة الاخوان المسلمين أو حركة النهضة
الجزء الثاني من هذه القاعدة، هو أنه كلما أقترب الفرد من الجيل المؤسس للفكرة كلما كان فعله مستصحبا للفكر الناتج عن عمليات الفهم، وكلما أبتعد ترتيبه خلت مواقفه من الفكر، لذلك يسهل التلاعب بمن بعد ترتيبهم، لأنهم أساسا لا يشاركون بوعي المنتج للموقف.
يصير من ذلك، أن أفعال من بعد ترتيبهم، تكون من نوع الفعل غير الواعي، الذي تغلب عليه العشوائية والافتراضات غير المثبتة.
لما كان القصد إنجاز مواقف توحي بالقوة، يتنادى لفعل الحشد الجماهيري بناء على فرضية غير مثبتة مفادها أن الجموع دليل قوة.


الكثرة لا تعني دائما القوة، بل أصلا لاتعني دائما الزيادة، وبدقة أكبر، فقط العمليات التي تتكون من خلال عمليات الزيادة الرياضية للمتغير يصح فيها القول بقاعدة أن الكثرة تؤدي لكم أكبر، أما ما عدا ذلك فلا يصح أبدا، بل بالعكس يمكن أن نجد وضعيات تكون الكثرة مؤدية مباشرة للضعف.

مثلا: كلما زاد عمر سيارة ما، نقص سعرها، أي يمكن أن نمثلها بصيغة رياضية: ثابت مضروب في عكس عمر السيارة(a/x)، أي كلما زاد متغير الزمن نقصت القيمة.

بينما مثلا، كلما زاد عمر قطعة اثرية زادت قيمتها، ويمكن صياغة ذلك بثابت مضروب في متغير الزمن (a*x)، مما يعطي قيمة أكبر في إزدياد.

يمكن كذلك أن نجد وضعيات أخرى كثيرة تعطي حصيلتها نهايات غير نمطية، مثلا: كلما زاد عمر الانسان زادت قوته البدنية، لكن حين الوصول لعمر معين، تنعكس الوضعية الحاصلة، ويصبح تزايد الزمن مؤد لضعف القوة البدنية، اي مرة: a*x ومرة: a/x.

ما نستنتجه إذن، أنه لا يصح الإعتقاد أن الوجود وظواهره ومنها السياسة والاجتماع تحكمه قاعدة واحدة على صيغة: a*x.

هناك إعتبار آخر، وهو الفاعلية، يجب إدخاله في معادلة حاصل القوة، مثلا في حالة قيمة السيارة نسبة لعمرها: a/x، لماذا قلت a/x ولم أقل 1/x، بمعنى آخر مالذي يجعل سيارتان من نفس النوع ولهما نفس العمر تختلفان في السعر، إنه الثابت: a الذي يمكن أن نسميه ثابت الفاعلية، لأنه يجعل سعرا أكبر من الآخر، أي اكبر فاعلية. بنفس المعنى مالذي يجعل رجلان بنفس العمر ونفس الظروف، أحدهما أفضل صحة من الآخر، إنه الثابت a الذي يمكن أن نسميه ثابت الفاعلية.
إذن حاصل الفعل يتحكم فيه أمران: الصيغة الرياضية للعملية المعنية، لانه كما وضحت ليست كل العمليات تمضي حسب قاعدة إزياد المتغير يعطي ازديادا في الحاصل، ثم فاعلية إنجاز العملية وهو الذي يحعل إنجار نفس العملية مختلفا بين إطارين زمانيين ومكانيين
رجوعا للحشود التي تنظمها الحركات الاسلامية والتي برعت فيها أولا حركة الاخوان المسلمون ثم الجماعة الاسلامية بالباكستان وأخيرا "النهضة"، يمكن ملاحظة غياب الوعي بالنقطتين المذكورتين، ما أدى لافتراض أن كل شيء بما في ذلك الفعل السياسي ومنه الحشود، تحكمه صيغة زيادة المتغير تعطي قوة أكبر، رغم أن هذا لم يقع إثباته بل الأرجح أنه غير صحيح، وثانيا، الأفعال المنجزة، تغيب فيها الفاعلية، ويمكن البرهنة على ذلك من خلال حاصل الأفعال في مجال زمني كبير يمتد لما يقارب القرن، مقارنة بأفعال الاعداء في مجال زمني أقل.
يمكن التذكير بنماذج: القوميون مثلا حكموا وأسسوا دولا بعد تواجدهم الزمني القصير، نفس الملاحظة حول الضباط الذين حكموا رغم تواجدهم الزمني القصير(السيسي..)، وسبب كل ذلك فاعليتهم، يمكن كذلك التذكير باليساريين في تونس فرغم أنهم أقلية فهم متحكمون بالاعلام والتعليم والثقافة، انها الفاعلية التي تغيب عن أبناء الحركة الاسلامية، وهذا عيب موروث سابق عن حركة "النهضة".

Commentaires


3 de 3 commentaires pour l'article 221423

Mandhouj  (France)  |Dimanche 28 Février 2021 à 14h 04m |           
النهضة استعرضت الحشود ، كما الأحزاب السياسية الأخرى أيضاً ... و الكاتب استعرض الحروف .. على الأقل الأحزاب السياسية لها شرف الظهور ليس على الورق فقط ... بل كما النهضة و الأحزاب الأخرى تشجعوا و طرحوا أمام كل الناس ، أفكارهم و عددوا مقترحاتهم ... و العديد منهم اتصلوا ببعضهم ... و خلقوا دينامكية مع مناضليهم و في ما بينهم ... ماذا ستنتج تلك الديناميكية ؟ ذلك شيء آخر .. و في آن واحد مربط الفرس ...

نتمنى الخير للبلاد و للعباد ... و إن شاء الله تنتهي الأحزاب من المزايدة على صعوبة الوضع ، لتجني مكاسب أنانية و ضيقة . و هذا معنى تونس أولا .. و مصلحة الوطن و المواطن فوق الجميع ..

RESA67  (France)  |Dimanche 28 Février 2021 à 01h 20m |           
Les chiens aboient et la caravane passe.

Shadow  (Saudi Arabia)  |Samedi 27 Février 2021 à 21h 40m |           
الله لا تربحهم. كان جا الغنوشي يلوج على مصلحة الشعب راهو ما عملش التجمع هذا في وقت كورونا. اما هو يلوج على شعبيته