حتّى لا يكون العنف شكلا من السياسة



المهدي الجندوبي

النظام الديمقراطي يهدف الى إفراز قيادة تحظى بمساندة الأغلبية لإدارة الحكم و قيادات قد لا تكون في الحكم لكنّها قادرة على التعبير بوسائل سلمية سياسية مثل التمثيل في مجلس النواب و الحضور الإعلامي و التظاهرات الثقافية و الإضرابات المرخّصة، على المطالب و الإنتظارات و إبلاغ اصوات كل الشرائح الإجتماعية. و هذا التفاعل بين قيادة حاكمة و قيادة ممثلة للمجتمع هو الذي يحقق "الإندماج" في منظومة سياسية تدار فيها الصراعات مهما إحتدّت بأسلوب سلمي.


عندما نعود الى أدبيات المعارضة التونسية بكل تياراتها قبل الثورة، و بعضها اليوم في الحكم، نجد أنها كانت كلّها تعتبر أن النظام السابق إحتكر السّلطة و اقصى منها شرائح عديدة من النخب و إنعزل على الشّعب و كان يعزى ذلك إلى غياب الإنتخابات التعددية و النزيهة و الشفافة. و منذ مطلع السبعينات من القرن الماضي إختصر الأستاذ أحمد المستيري شيخ المناضلين الديمقراطيين، هذه الإشكالية بالعبارة الفرنسية: البلد الشرعي و البلد الواقعي (pays legal et pays reel) ليبيّن هذا البون بين الحكّام و المواطنين.
بعد عشر سنوات من التجديد المسترسل في نظام الحكم منذ 2011، و بعد تنظيم إنتخابات متتالية قبل الكلّ بنتائجها و توفّرت فيها ضمانات التعددية و النزاهة حتى و إن شابتها بعض الإخلالات، و بعد أهم حركة إجتماعية لتجديد النخب الحاكمة عرفتها تونس منذ الإستقلال، نجد أنفسنا مرّة أخرى، أمام إشكالية قديمة و متجدّدة: لماذا تعجز النّخب التي أفرزتها صناديق الإنتخابات على تحقيق هذا التواصل السّلمي بين القمّة و القاعدة و على تجسير العلاقة بين البلد الشرعي و البلد الوقعي؟ لماذا يتمّ اللّجوء الى العنف من قبل شرائح من المجتمع، لم تعد ترى في نخبها التي حظيت بثقة النّاخبين، القناة الطبيعية للتعبير عن طلباتها؟

مثل هذه الأسئلة و غيرها ليست تهمة توجّه الى طرف سياسي دون غيره و هي تخترق كلّ التيارات و محاولة مواجهتها فكريا و عمليا هي مسؤولية جماعية تشمل المفكرين و المثقفين و الأطراف السياسية المنظّمة و جمعيات المجتمع المدني و المواطن الذي اصبح صاحب القرار الأصلي بمجرّد منحه حقّ الإنتخاب. أصوات التنديد بالعنف التي إرتفعت في هذا الظرف على خلفية الإحتجاجات الشبابية التي عمّت عدّة جهات من البلاد، مقبولة و مفهومة، لكنّها غير كافية لبناء سدّ منيع يقطع دابر مجرّد التفكير في العنف كأسلوب إحتجاج. منظومة المؤسسات السياسية الديمقراطية هي التي يجب أن تشكّل هذا السدّ فلا يتمّ اللّجوء الى العنف لأن كلّ واحد يجد في السلطة من يستمع اليه و من يستبق طرح مشاكله و حلّها، و يجد في المعارضة و الإعلام و المجتمع المدني من يعبّر عن مشاغله.

لا يمكن أن ننفي النّقلة النوعية التي حققتها الثورة في قدرة التونسيين بكلّ شرائحهم على التعبير عن مشاغلهم و طلباتهم و إنتظاراتهم منذ الأيام الأولى للثورة و نجد لهذه المشاغل الصدى المتكرر في إقتراحات طيف الجمعيات التي يتشكّل منها المجتمع المدني و ندواتها و تقاريرها المتعاقبة و في كل وسائل الإعلام بكلّ برامجها مهما إختلفت مستوياتها بين الجدّ و الهزل و في مجموعة من الكتب العلمية و الدراسات الحديثة لنخبة المفكرين و المتخصّصين في كل القطاعات، و في نهر مقالات الرّأي التي نشرها الخبراء و الصحافيون بكل تخصصاتهم و في مختلف التعبيرات الفنّية و الأدبية التي تزخر بها الساحة الثقافية، و في مخزون برامج الأحزاب المتعاقبة، و العديد من التقارير و الدراسات الرّسمية. هذا إضافة الى ما تحمله كل اساليب الإحتجاج السلمي و سيل المفاوضات التي ترافقها من افكار و طلبات. و ما احوجنا الى رؤية تأليفية و تلخيصية تستخرج من هذه المادّة افضلها ليرتوي بها كل من هو في موقع القيادة محليا ووطنيا، يستلهم منها و يعمل على تطبيقها.

و تبقى الإنتخابات أرقى شكل من اشكال التعبير لما تسمح به من فرص تفاعل أثناء الحملات الإنتخابية و لما تسمح به من رسائل يوجّهها الناخب الى من يكلّفهم بإدارة شؤونه و تمثيله. و هكذا فإننا نستطيع ان نقول من غير مبالغة أن كل المسؤولين بعد الثورة إتيحت لهم فرص متعدّدة للإطلاع الكافي على مشاغل الناس سواء بتجربتهم المباشرة في الإتصال بالناس أو عبر زخم التعبيرات الفكرية و الثقافية و السياسية التي عرفتها تونس على طوال العشرية الماضية.

أستسمحكم العودة الى تصريحات مختلف المسؤولين على إثر الإنتخابات التشريعية و الرئاسية الماضية في نوفمبر اكتوبر 2019. طرحت تساؤلات محيّرة حول تقلّص عدد الناخبين و تقلّص حجم الأحزاب في الحكم و المعارضة و برزت فكرة التصويت خارج "السستم" لتيارات سياسية غير تقليدية و إعتبر جلّ السياسيين و المحللين أنّ النّاخب التونسي رفع البطاقة الحمراء في وجه نمط من العمل السياسي و زاد نجاح الأستاذ قيس سعيد في الرئآسية، رغم عدم إنتمائه الى حزب يدعمه و عزوفه عن البرامج الإعلامية التقليدية، في توسيع مسؤولية تهرئة المنظور التقليدي للأداء السياسي الذي لا يقتصر على السياسيين وحدهم و لكن ايضا على الإخراج الإعلامي للشأن السياسي الذي كثيرا ما يقتصر على صراعات و معارك لا مفرّ منها، لكنّها ساهمت في تكريس صراع الكراسي على حساب صراع الأفكار وأغرقت الجميع في لعبة النرجسيات و الزعامات على حساب حمل مشاغل النّاس و تصوّر حلولها و إنجاز البرامج التنموية. إستمعنا وقتها و قرأنا عدة محاولات صادقة لإستخلاص العبرة.

لكن عودة الوعي هذه، لحظة قراءة نتائج الإنتخابات، سرعان ما تبخّرت فعاد من جديد العمل السياسي الى أسوء اشكاله و لا فائدة في تكرار ما نعرفه من عجز على تشكيل حكومة مستقرّة حوالي سنة بعد الإنتخابات و لا الى مشاهد الملاسنات و المناكفات البرلمانية و لا الى مهرجان الإقالات و التعيينات و لا الى العجز على العمل الجماعي في أعلى قيادات الدولة حسب روح دستور وزّع السّلطة لتفادي الإنفراد بالحكم فأنتج رئاسات متمسّكة بصلاحياتها تعلن وحدة الدّولة لكنّها عاجزة،عن إقناعنا بذلك على ضوء افعالها و تصريحاتها.
عندما تعجز الرسائل السلميّة التي يوجّهها المجتمع الى قادته، عبر كمّ الأفكار و المشاغل و المطالب الموثّقة في التقارير و الدراسات و البرامج الإعلامية و عبر التحرّكات السّلمية المتواترة و كلّها موثقة في تقارير المنتدى الإقتصادي و الإجتماعي و عبر نتائج الإنتخابات و دلالات من إنتخب و من أحجم عن المشاركة، فإن الباب يفتح بمصراعيه إلى أشكال التعبير غير السّلمية و هي بالضرورة وسائل هدّامة، أوّل ضحاياها من يمارسها من الشباب المهمّش، لكنها رسالة سياسية أخرى تضاف الى سابقاتها.

كيف لا يمكن أن نتساءل بحيرة لماذا تبقى القيادة منعزلة و عاجزة على التواصل مع المواطنين، رغم شرعيتها الإنتخابية و رغم توفّر القنوات التي تضمن إطّلاعها على مشاغل الناس و لماذا تبقى أولوياتها بهذا الحجم من القطيعة مع القاعدة الإجتماعية، فنعود الى ثنائية مطلع السبعينات حول البلاد الشرعية و البلاد الواقعية.

Commentaires


0 de 0 commentaires pour l'article 219131