البلاد التونسية في عيون الرحالة الألمان خلال العصر الحديث (1535 – 1881) إصدار جديد لعاطف سالم عن دار نقوش عربية




خلال القرون الأربعة التي سبقت مرحلة الاستعمار الفرنسي والانتصاب العثماني كانت المعرفة الأوروبية حول البلاد التونسية محدودة للغاية، وبالتأمل في طبيعة الكتابات المنجزة منذ بداية القرن السادس عشر إلى منتصف القرن العشرين نجد أن الرحلة شكلت أكثر الأجناس تداولا بين الكتاب الأوروبيين في التأريخ لواقعها وحضارتها، فهي تجمع بين الحكاية الشخصية والوصف المثير للوقائع التاريخية والأماكن وأنماط الحياة الاجتماعية والممارسات الدينية والاقتصادية.


هكذا قدم الدكتور عاطف سالم كتابه الصادر حديثا عن دار نقوش عربية وهو دراسة عن الرحالة الألمان الذين زاروا تونس خلال " العصر الحديث" من القرن السادس عشر إلى القرن التاسع عشر.

والكتاب الذي يحمل عنوان "البلاد التونسية في عيون الرحالة الألمان خلال العصر الحديث (1535 – 1881) " والوارد في 472 صفحة من الحجم المتوسط، هو نسخة من أطروحة دكتوراه في التاريخ الحديث قدمها صاحبها في موفى جوان من سنة 2020 بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بسوسة. وقد تضمن ملاحق ثرية تقدم للقراء خرائط هامة ومخطوطات قيمة تكشف عن مجهودات كبيرة وبحث معمق قام به عاطف سالم بمراكز الأرشيف والتراث الثقافي بكل من ألمانيا والنمسا وفرنسا وتونس.


وأشار الكاتب في مستهل دراسته إلى الأسباب الذاتية والموضوعية التي جعلته يختار هذا المبحث، مضيفا أن تونس مثلت وجهة العديد من الرحالة الأوروبيين بمختلف تصنيفاتهم ومستوياتهم منها خاصة الدول الناطقة باللغة الألمانية ( منها ألمانيا والنمسا وهولاندا) وأكد على أهمية الكتابات والوثائق الأوروبية باعتبارها مصدرا مهما لدارسي تاريخ البلاد التونسية لما لهذا النوع من التوثيق من قدرة على سد الكثير من الثغرات كالاهتمام بشهادات الملوك والدبلوماسيين والقناصل والعلماء، وحتى العبيد منهم، وملاحظاتهم التي يسجلونها بشأن رحلاتهم إلى المناطق التي يمرون بها وذلك لما تحتويه هذه الكتابات من معلومات تاريخية واجتماعية وتراثية، مع التدقيق فيها.
..


وتطرّق الباحث في هذا الإصدار إلى خصوصيات الاستشراق الألماني مقارنة بالفرنسي، واختار تقسيم دراسته إلى ثلاثة أبواب جاء الأول تحت عنوان "الرحلة والاستشراق والرحالة الأوائل" عاد في فصله الأول إلى مفهوم أدب الرحلة ونشأته، وأهم النظريات المتعلقة بأدب الرحلة وعلاقة هذا الأدب بالجغرافيا الوصفية والأدبية، إلى جانب صورة الأنا والآخر في أدب الرحلة لدى الأوروبي.

وتناول في الفصل الثاني أهم الخصائص والاتجاهات المتعلقة بالاستشراق والتطورات التاريخية التي شهدها خلال الفترة الحديثة وتحديدا الاستشراق الألماني، مرورا بالانتقادات التي شهدها "الاستشراق والاستعمار من منظور إدوارد سعيد" في القرن العشرين. أما الفصل الثالث فقد حمل عنوان "الرحالة الألمان الأوائل : السابقون" وتناول فيه الباحث رحالة القرن السادس عشر عبر تحليل مؤلفاتهم وتنقلاتهم من بينهم مخطوط التاجر الألماني الرحالة الألماني شتيمر. وقد تقفى الكاتب أثر رحلته إلى تونس قبل حملة 1535 م وتحديدا زيارته إلى المناطق الساحلية بمدينة جربة وتونس.
كما تناول عاطف سالم، بالبحث رحلة امبراطور ألمانيا شارل الخامس وحملته العسكرية على تونس وتحرير الأسرى المسيحيين. وتطرق أيضا إلى مساهمة الكتائب الألمانية "لاندسكنيشت " في تحرير منطقة حلق الوادي وفتح مدينة تونس وافتكاكها من الأتراك العثمانيين، وعرّج على توثيق الرسامين لحملة 1535 في أعمالهم الفنية والحفاظ عليها داخل أروقة متحف تاريخ الفن بمدينة فيينا.

أما بخصوص الباب الثاني فقد حمل عنوان "رحالة القرون 17و18 و19 " وتم تقسيمه إلى ثلاثة فصول اهتم الأول بعلاقة الرحالة بالقرصنة التونسية والثاني بالأحوال السياسية والوظائف الإدارية بتونس خلال القرن الثامن عشر بعيون المثقفين الألمان وتناول الكاتب في الفصل الثالث من الباب الثاني فترة النصف الأول من القرن التاسع عشر حيث درس العلاقة بين الرحالة الألمان والمجتمع التونسي الحديث وتوقف عند أهم رحلات الأمراء والمثقفين الى تونس .
أما الباب الثالث فقد حمل عنوان " الرحالة الألمان دراسة في الاهتمامات والمناهج " وقد تضمن ثلاثة فصول تناول الأول اهتمام الألمان بالآثار التونسية والتراث المحلي، واهتم الثاني بالواقع السياسي والديبلوماسي وعلاقته بالرحالة الألمان بالاعتماد على وثائق الأرشيف الوطني التونسي التي تزخر بعديد المراسلات والاتفاقيات الممضاة بين البلدين وأعمالهم الموكلة، وفق الكاتب.
أما الفصل الثالث والأخير فقد تم تخصيصه لدراسة أساليب ومناهج التدوين لدى الرحالة الألمان من مخطوطات وكتب وأدوات الملاحظة والبحث والطرق في التعامل مع السكان المحليين أجل الحصول على المعلومة الكافية، فقد اعتمد بعضهم على أسلوب الرسائل واعتمد آخرون على كتابة السير الذاتية والمؤلفات التاريخية والجغرافية .
واعتبر الكاتب عاطف سالم أن هذه الدراسة هي "مشروع قراءة في التاريخ الثقافي والسياسي" مبيّنا أنه يطمح من خلال هذا الكتاب إلى "الاضافة المتواضعة بعيدا عن الأحكام الجازمة والآراء المطمئنة إلى وثوقها"، وذلك في إطار السعي إلى فتح آفاق للبحث تعديلا وتصحيحا، بحسب المصادر المتوفرة من جهة ومنهجية الكتابة التاريخية من جهة أخرى.
جدير بالذكر أن عاطف سالم هو باحث أكاديمي (من مواليد المنستير سنة 1987) متحصل على شهادة الدكتوراه في التاريخ الحديث بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بسوسة وباحث بعدة مؤسسات أرشيفية أوروبية. يعمل حاليا بالمعهد العالي للدراسات التطبيقية في الإنسانيات بالمهدية.

Commentaires


0 de 0 commentaires pour l'article 243054