الثورة الخفيفة .. الدولة العميقة



مفهوم الدولة العميقة

بقلم: هانيبال فرحات


سنتان ونصف من الثورة في تونس كانتا كافيتين لكي يعود البعض متحسّرين على الوضع ما قبل 14 جانفي 2011. انها فترة قصيرة بيّنت أن عوامل الجذب الى الماضي تبدو متغلبة على عوامل التغيير التي طرحتها الثورة. ليبقى السؤال الكبير في مكانه جامدا: كيف ظلت الأوضاع على ما عليها، وكي استطاع الأغنياء أن يزدادوا اثراء وكيف تفاقم الفساد أكثر؟ حتى أن قناعة بدأت تنتشر بأن لا شيء تغيّر في تونس. فبفضل أي الميكانيزمات ظل الحال على ما عليه؟
اننا حين نطرح مفهوم "الدولة العميقة" للنقاش في تونس فنحن نجيب في الاثناء عن هذه الأسئلة بالذات.

يبدو مفهوم "الدولة العميقة" ملتبسا في عقول التونسيين. لقد طفا فجأة في خطاب بعض المثقفين دون أن يتحوّل الى مفهوم متداول قادر على أن يترسخ في تمثلات مضبوطة في الفهم العام. بعضهم اعتبره فكرة مشابهة لنظرية المؤامرة والبعض الآخر يجد فيه جوابا على كل الأسئلة المحيرة التي تحيط بأداء الدولة. وعلى العموم، فإن التسمية ليست اشكالا في حد ذاتها. فلتكن مجرد نافذة نطل من خلالها على جانب من حقائق تونس.
يجد مفهوم "الدولة العميقة" صدى كبيرا في الخطاب الإعلامي المصري، خاصة من أجل تفسير الصراع الذي تعيشه مصر اليوم، حتى أنه يبدو جوادا تراهن عليه النخب المتمسكة بالشرعية لتفسير تكتيكات خصومها. وهذا ما عبّر عنه الصحفي البريطاني روبرت فيسك حين يفسر ما حدث يوم 3 جويلية بأن ظهور الدولة العميقة على مسرح الاحداث.

تاريخيا ظهر المصطلح لأول مرة في تركيا السبعينات، بالتحديد في خطاب الرجلين الذين تداولا على موقع رئاسة الحكومة في ذلك العقد: سليمان ديميريل وبولنت أجاويد. لقدضاقا ذرعا من عدم وصول السياسات التي يطرحونها إلى أرض الواقع معتبرين أن ما يفصل عن تحقيق ذلك هو "الدولة العميقة". وقد فُهم المصطلح في تركيا على أنه التحالف بين العسكر وجهاز القضاء والادراة والنقابات، وهي هياكل دائمة تربطها مصالح متشابكة فتكوّن منظومة من الامتيازات وبغرض حمايتها تقف حائلا أمام مشاريع النخبة السياسية المتغيرة على رأس جهاز الدولة. لقد أصبحت فكرة الدولة العميقة بعد ذلك ظاهرة إعلامية ومجتمعية في تركيا يفسر بها الأتراك الفساد والسياسة المتبعة تجاه المعارضة وتجاه الأقليات، ويعتبرون استيعابها درجة ضرورية من الوعي لبلوغ الديمقراطية.

عموما يمكن حصر فكرة "الدولة العميقة" في أنها تعبير عن مجموعة مصالح تحت غطاء الدولة، ولكنها لا تكتفي بأطراف رسميين وانما تمتد الى كل من يمكنه أن يضمن مجموعة المصالح. بمرور الزمن تترسخ بين المتداخلين فيهاعقلية موحدة حتى تصبح تركيبة "الدولة العميقة" كائنا مفكرا له مصالحه الخاصة بعيدا عن الأشخاص والمواقع التي يشغلونها. انها تتحوّل إلى عقلية تلتبس بهم، تسندها الامتيازات والتي تتحوّل الى ما يشبه السلاسل التي تقودهم حيث تشاء رغبات "الدولة العميقة".
تعمل الدولة العميقة بمكيانزمات عدة كانت الثورة مناسبة لكي تظهر الى مستوى يتيح للوعي الجمعيّ أن يلامسه. انها منظومة تتجسد في قواعد مشتركة بين مواقع عدة منذ أن تبدأ الامتيازات التي توفرها هذه المواقع في جهاز الدولة، والتي تتحوّل الى مصالح تربط كل الأطراف يتم حمايتها بمنطق الاحتكار، ليتغير هذا المنطق عند الضروارات.
منظومة الدولة العميقة تجد في بلد كتونس تربتها الملائمة للترسّخ. فبحجم الإدارة المتضخم في هندسة الدولة التونسية والذي تحوّل بمرور السنين إلى بيروقراطية مزمنة، وبالنظر للمقاربة الأمنية في تسطير السياسات في تونس،والروح المتقبلة للانتهازية في الشخصية التونسية يصبح تمركزها أمرا مفروغا منه ولم يبق غير عقد التحالفات مع أطراف من خارج جهاز الدولة لتفعيل المنظومة و تحسين مردوديتها.
ومنذ أن تبدأ في التفاعل تجعل الامتيازات للمتدخلين في اللعبة مصالح على حساب الشعب. بخصوص هذا التباين بين مصالح "الدولة العميقة" والمصالح العامة يعد المثال الجزائري أبرز تجسيم لذلك.لقد تم إخفاء الثروات الحقيقية للبلاد المتأتية من إيرادات النفط من طرف منظومة كبار جنرالات الجيش، حتى أنهم فضلوا تطويل سنوات الحرب الأهلية على التفريط في امتيازاتهم.
تتحالف الدولة العميقة مع كل ما يمكّنها من حماية مصالحها، وهي بذلك تتوسّع في نطاق منظومة الامتيازات لذلك يمكننا أن نضع تحت مظلة الدولة العميقة عددا من رجال الأعمال الذين يحتاجون الى الفساد الإداري لكي تتطور مشاريعهم، كما أنهم يتحوّلون إلى أداة تزييت للمنظومة كلها بالسيولة المالية.
ان السلطة عموما منذ أن تتركز تحاول اختراق كل ما حولها. عدد من منظمات المجتمع تبدو لها مشوشة لطمأنينتها، لعل أهمها النقابات والتي ستكون أكثر المنظمات استهدافا من قبل "الدولة العميقة"، لذلك توزع عليها نسبا من الامتيازات لتأمن جانبها. وتفعل السلطة ذلك مع كل المنظمات المجتمع المدني فتخترقها مثل منظمات حقوق الانسان أو منظمات الطلبة أو المؤسسات الصحفية أو شبكة المثقفين، ومن ثمّ تمتد ظلال الدولة العميقة إلى فضاء أوسع من جهاز الدولة ليغطي الوطن برمته، ويأخذ دور الوصاية على ثرواته.
ما يحمي الدولة العميقة ليس حسن إدارتها أو ثرواتها أو أساليبها في التخفي أو الاحتماء بالقوة البوليسية أو حتى منظومة تحالفاتها، كل هذه العناصر مهمة ولكنها غير كافية وقد أثبت الثورات هشاشتها. إن الحماية الحقيقية للمنظومة تأتي من قطبين، الأول قاعدي والثاني مرتبط بالنظام العالمي.
فمن ناحية، تفرز آليات عمل الدولة العميقة طبقة من الذين يتصوّرون أنهم منتفعون من تأبيد الأوضاع على ما هي عليه (صغار البيروقراطية: وهم أغلبية في المجتمع التونسي)، والذين من منطلق مصالح بسيطة ومحاولة الحفاظ عن نسق حياتي يلائمهم يصبحون الواقفين في الخط الأمامي لحماية المنظومة التي لا يعلمون عنها شيئا. لقد عملت الدولة على أن تؤثث لهم حياة رغدة في ظاهرها وهي في جوهرها ارتهان لارادتهم الفكرية والسياسية والتي ستتحول إلى قيود يلبسونها عن طواعية. وهذا هو عمق فسلفة الدولة في تيسير القروض والسيارة الشعبية لصناعة الرفاهية الوهمية، وهي انما كانت تُغرق الجميع في مستنقع مصالح الدولة العميقة.
القطب الثاني هو ارتباطها بمصالح النظام العالمي الذي يرى أن الدولة العميقة - والذي هو مهندسها الاول زمن الاستعمار - ستبقى حامية لمصالحه، فيمدها بالسند المادي والمعنوي الكافي وإذا ما لزم الامر فهو يتدخل بأساليب أكثر شراسة، ويمكن أن نفهم كل ما حدث في تونس في 3 سنوات ثورة من هذا المنطلق (من الاغتيالات إلى التفجيرات الارهابية).
قد يبدو ذلك مسقطا، ولكننا حين نتذكر استنجاد سهير بلحسن أونادية الفاني بالقوات الفرنسية اذا ما انتصرت تيارات الإسلام السياسي في انتخابات 2011، أو ما نرى ما أقدم عليه مؤخرا السفير السابق المازري الحداد من اعتبار أنه لولا الجيش الجزائري لوصل الإرهاب إلى سوسة والحمامات، خاصة حين نعرف ذلك التحالف القديم بين الدولة في تونس وجنرالات الجزائر الذين تحدثنا عن تكتيكاتهم خلال الحرب الأهلية في التسعينات.
في مصر وتركيا كثيرا ما يوصون الخائضين في معضلة "الدولة العميقة" بأن يتجنبوا التناول التسطيحي القريب من نظرية المؤامرة. لذلك علينا ان ندرك اننا أمام تفاعل لمكونات مشهد داخلي أثثه الخارج من قبل ونعيش انعكاساته التي تتحوّل إلى تاريخ. ومنذ أن نقتنع بأن الدولة العميقة تعيش بيننا، علينا أن نتسلح بمقولة أحد الشعراء "لكي تستكملوا أحلامكم، عليكم بقهوة مضادة للنوم".


Commentaires


6 de 6 commentaires pour l'article 69868

August  (Tunisia)  |Lundi 19 Août 2013 à 08h 06m |           
مقال استطاع تركيب صورة من مختلف الجوانب
ولكن كان أولى الانطلاق من قصة الدولة العميقة في فرنسا لأنها هي التي أورثتنا التكلس البيروقراطي
من الاساسي أن نبلغ درجة الحديث في موضوع مشابه
وتقديم زاوية نظر أكثر فاعلية للرأي العام من تلك البرامج التلفزية التبهيمية _:c

Jojojo  (Tunisia)  |Lundi 19 Août 2013 à 03h 28m |           
تحليل عميق و واضح يعكس تميز صاحبه: هانيبال
أعتقد أني بدأت أفهم لقاء الرأسين في باريس ، لقاء بين ممثل مصالح الدولة العميقة المستقوي أساسا بولي نعمته و ممثل الشرعية الإنتخابية الوافد الجديد الذي قدم التطمينات الضرورية على مسمع الراعي
ولكن تبقى أسئلة عالقة و تبحث عن أجوبة
أولها هل للوطنية أثر و معنى لدى هؤلاء الإنتهازيين من الدولة العميقة حتى يتحدد في ما بعد أسلوب المواجهة؟
ثانيا في صورة إستبعاد التدخل الخارجي مع التوافق على إستكمال المرحلة الإنتقالية بشكل عادي فهل المواجهة بين الطرفين ضرورية أم هي غير ضرورية؟ علما و أن عصرنة أجهزة الدولة أمر حيوي و لا يقبل التأجيل حتى يكون أداؤها ناجزا و مدعما للمواطنة
أعتقد أن حيادية الإدارة هو مطلب شعبي وجب تحقيقه بواسطة أجهزة رقابية مدسترة بحيث التسميات تصبح غير مؤثرة على المسار الديمقراطي الذي نصبو إليه
و للحديث بقية.......

Meinfreiheit  (Oman)  |Vendredi 16 Août 2013 à 13h 31m |           
الرؤوس لم تقص بل ارسلت عروقا جديدة في ميدان الاجرام و التلاعب بامن البلاد و لكم في كمال اللطيف مثالا واضحا وضوح الشمس ....

Wildelbled  (United States)  |Jeudi 15 Août 2013 à 23h 16m |           
قوى الشعب واتحاده وحدها كفيلة لإنجاح الثوره، أما قوى الرده الخونه فلن يصلوا إلى شئ غير الفشل ذاك هو مآلهم

Kairouan  (Qatar)  |Jeudi 15 Août 2013 à 16h 02m |           
شكرا للكاتب
تحليل ممتاز يساعد في فهم ما يحدث في تونس من تآمر لإفشال الثورة ومكاسبها والتي على رأسها مؤسسات شرعية منتخبة

Godefroy  (France)  |Jeudi 15 Août 2013 à 14h 19m |           
Cette analyse veut introduire la dimension institutionnelle dans les paramètres de la donne en cours.
ainsi, une bureaucratie qui aurait partie liée avec les intérèts de l'institution "etat" dont elle assure la permanence tout en percevant des dividendes ne serait pas favorable, presque par nature ou en raison de la nature de ses intérèts, au changement.
ce qui, c'est ce qu'on prétend montrer si je comprends bien, illustre les résistances opposées à
l'installation (ce n'est pas dit explicitement) des affidés d'ennahdha dans les divers rouages de l'administration.
l'hypothèse institutionnelle est fondée.
ce qu'elle prétend montrer l'est moins.
en effet, si la bureaucratie représente une quasi-classe ou une classe portée à la conservation de ce qui est, pourquoi installer d'autres bureaucrates en lieu et place de leurs prédecesseurs?
il serait plus judicieux d'introduire la clause de révocabilité et sous controle de la population.
ainsi, l'on mettrait un terme à l'instauration des rentes de situation et mettrait fin aux privilèges de cette dite classe.
on peut, en puisant dans les leçons de l'histoire, inventer d'autres dispositifs...