في الذكرى السبعين لانضمام تونس إلى الأمم المتحدة: رنا طه تستعرض حصيلة التعاون وأولويات الشراكة للفترة 2027-2031
بمناسبة مرور سبعين سنة على انضمام تونس إلى منظمة الأمم المتحدة، في 12 نوفمبر 1956، استعرضت المنسقة المقيمة للأمم المتحدة في تونس، رنا طه، حصيلة سبعة عقود من التعاون بين الجانبين، وأبرز مساهمات المنظمة في دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية والصحية والتعليمية، إلى جانب أولويات الشراكة المستقبلية في ظل التحديات العالمية المتزايدة.
وأكدت رنا طه، في حوار مع وكالة تونس إفريقيا للأنباء، أن الشراكة بين تونس والأمم المتحدة تطورت على امتداد العقود الماضية لتشمل مجالات متعددة، انطلاقا من دعم القطاعات الأساسية، على غرار الصحة والتعليم، وصولا إلى تطوير السياسات العمومية وتعزيز الحماية الاجتماعية والتشغيل والتنمية الاقتصادية وحماية البيئة.
وأوضحت أن تونس لم تكن مجرد بلد مستفيد من دعم المنظمة الأممية، بل ساهمت بدورها في تعزيز العمل الدولي متعدد الأطراف، من خلال دبلوماسيتها وكفاءاتها ومشاركتها في عمليات حفظ السلام، فضلا عن دورها في الدفاع عن قضايا التحرر والتضامن الدولي.
حصيلة التعاون: آلاف مواطن الشغل ومكاسب في الصحة والتعليم
وفي تقييمها لحصيلة التعاون بين تونس والأمم المتحدة، أبرزت طه مساهمة البرامج المشتركة في دعم المؤسسات والقطاعات الإنتاجية وتعزيز التمكين الاقتصادي للنساء.
ففي قطاع الصناعات الغذائية، ساهمت برامج الدعم في توفير أكثر من 3600 فرصة عمل، 90 بالمائة منها لفائدة النساء، إلى جانب ارتفاع حجم الصادرات بنسبة 194 بالمائة. كما ساهمت تدخلات المنظمة في الحفاظ على 14 ألف موطن شغل في قطاع النسيج، مع ارتفاع قيمة الصادرات بنسبة 7 بالمائة، من 226 إلى 242 مليون دولار.
وشملت التدخلات أيضا مرافقة أكثر من 2200 امرأة في ولايتي القيروان وجندوبة لتطوير أنشطتهن ومشاريعهن، فضلا عن دعم 80 مؤسسة، ظل أكثر من 88 بالمائة منها ناشطا سنة 2025. كما ساهمت المنظمة في تحديث صندوق تعويض الأضرار الفلاحية الناجمة عن الجوائح الطبيعية، الذي مكّن من تعويض 6424 مستغلة فلاحية.
وفي مجال التعليم وتنمية الطفولة المبكرة، دعمت الأمم المتحدة جهود الحد من الانقطاع المدرسي لفائدة 12 ألف تلميذ، ورافقت أكثر من 7000 مراهق بين سنتي 2021 و2025، عاد أكثر من نصفهم إلى الدراسة أو التحقوا بالتكوين المهني أو حصلوا على عمل.
كما ساهمت في تحسين البيئة التعليمية من خلال تجهيز 68 روضة أطفال وتوفير أكثر من 12 ألف جهاز ومعدة تعليمية.
أما في القطاع الصحي، فقد شملت المساهمات تجديد 90 بالمائة من سلسلة تبريد اللقاحات، واقتناء أكثر من 1800 تجهيز طبي لفائدة 1850 مركز صحة أساسية و264 دائرة صحية و75 مستشفى، إلى جانب دعم رقمنة التلقيح وتحديث خدمات العلاج والتشخيص وتعزيز الكفاءات.
وفي ما يتعلق بالحماية الاجتماعية، ساهمت المنظمة في توسيع التغطية بالمنح الشهرية ضمن برنامج «الأمان الاجتماعي»، لتشمل أكثر من 600 ألف طفل من الولادة إلى سن 18 عاما سنة 2025، مسجلة زيادة بنسبة 443 بالمائة مقارنة بسنة 2020.
التحول البيئي ومواجهة التغيرات المناخية
وفي مجال البيئة والتكيف مع التغيرات المناخية، أشارت المنسقة المقيمة للأمم المتحدة إلى دعم المنظمة جهود تونس لإدماج البعد المناخي في السياسات العمومية وتحويل الالتزامات المناخية إلى استثمارات وإجراءات عملية.
وفي هذا الإطار، ساهمت الأمم المتحدة في إعداد النسخة الثالثة من المساهمة المحددة وطنيا، التي انطلقت أعمال إعدادها سنة 2025 واستُكملت سنة 2026، باحتياجات استثمارية تُقدّر بنحو 55 مليار دولار للفترة 2026-2035.
كما تساند المنظمة الخطة الوطنية للتكيف مع التغيرات المناخية، بما يشمل تعزيز الأمن الغذائي وحماية الموارد الطبيعية، وخاصة المياه. وشملت تدخلاتها إعداد أدوات لخطط العمل المناخي المحلي، وتشجيع 3200 شاب على المشاركة في 90 مبادرة موزعة على 24 ولاية.
ولمواجهة ندرة المياه والجفاف، دعمت المنظمة تحديث الأدوات الرقمية لتسيير الموارد المائية، وتحليل الهشاشة وتحسين أنظمة الإنذار المبكر. كما ساهمت في جمع 3000 عينة من التربة وإنشاء قاعدة مرجعية للخصوبة، إلى جانب اعتماد المكافحة البيولوجية للآفات.
أولويات جديدة للتعاون خلال الفترة 2027-2031
وبخصوص آفاق الشراكة، كشفت طه أن الأمم المتحدة تعمل بالتنسيق مع الشركاء التونسيين على إعداد إطار تعاون جديد للفترة 2027-2031، يرتكز على ثلاث أولويات استراتيجية.
وتتمثل الأولوية الأولى في تعزيز الإدماج الاجتماعي وتكافؤ الفرص وتحسين جودة الخدمات الأساسية، خاصة في مجالات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، مع تقليص الفوارق بين الفئات والمناطق.
أما الأولوية الثانية فتتعلق بدعم التنمية الاقتصادية والتشغيل، من خلال تعزيز فرص العمل اللائق وريادة الأعمال والإدماج الاقتصادي، مع التركيز على الشباب والنساء والفئات الأكثر هشاشة.
وتتمثل الأولوية الثالثة في تسريع التحول البيئي وتعزيز القدرة على الصمود أمام التغيرات المناخية، وحماية الموارد الطبيعية، وخاصة المياه.
وسيتم تنفيذ هذه الأولويات من خلال برامج ومشاريع مشتركة مع المؤسسات الوطنية، مع اعتماد آليات للمتابعة والتقييم، وتعزيز التنسيق بين وكالات الأمم المتحدة وتعبئة الشراكات والموارد الضرورية لتحقيق نتائج ملموسة ومستدامة.
تونس في المرتبة 72 عالميا في تحقيق أهداف التنمية المستدامة
وفي ما يتعلق بالتقدم المحرز في تحقيق أهداف التنمية المستدامة في أفق 2030، أفادت طه بأن تقرير التنمية المستدامة لسنة 2026 صنّف تونس في المرتبة 72 من بين 169 بلدا، وهو ما يعكس تقدما في عدد من المجالات، وإن كان متفاوتا.
وأشارت إلى أن تونس حققت مكاسب في الصحة والتعليم والنفاذ إلى الخدمات الأساسية، كما أحرزت تقدما في إدماج أهداف التنمية المستدامة ضمن سياساتها الوطنية، غير أن تحديات التشغيل والحد من الفقر وتقليص الفوارق الاجتماعية والجهوية ما تزال قائمة، بما يستوجب تسريع الجهود خلال السنوات المقبلة.
وفي هذا السياق، تعمل منظومة الأمم المتحدة على دعم تونس في تطوير مقاربة متكاملة لتمويل التنمية، من خلال المساهمة في إرساء منصة وطنية لتمويل التنمية والاستثمار (Finance & Investment Hub)، تحت القيادة الوطنية وبمشاركة الشركاء المعنيين، بهدف تحسين التنسيق بين مصادر التمويل وتحديد المشاريع ذات الأولوية وربط الاحتياجات التنموية بفرص التمويل والاستثمار.
كما تعمل المنظمة على دعم المبادرة الخاصة والابتكار ومعالجة الأسباب الهيكلية للهجرة، باعتبار أن توسيع فرص العمل اللائق وتطوير المهارات ودعم ريادة الأعمال داخل الجهات تمثل عناصر أساسية للحد من دوافع الهجرة غير النظامية.
وفي هذا الإطار، ساهمت برامج الأمم المتحدة في تحسين إنتاجية 265 مؤسسة صغرى ومتوسطة، ومرافقة 210 شباب في مجال ريادة الأعمال، وأكثر من 100 شاب في مسارات تنقل مهني منظم نحو إيطاليا. كما تمت مرافقة 350 صاحبة مشروع في سبع ولايات، ودعم 57 تعاونية ومجمعا فلاحيا، وتدريب أكثر من 3000 حرفي ومصمم ورائد أعمال.
تراجع التمويل الدولي يفرض تنويع مصادر الدعم
وفي حديثها عن التحديات التي تواجه تنفيذ البرامج التنموية، لفتت طه إلى تراجع التمويل الدولي والمساعدات الإنمائية، مشيرة إلى أن المساعدات الإنمائية الرسمية انخفضت عالميا بنسبة 23.1 بالمائة سنة 2025 مقارنة بسنة 2024، وفقا لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.
واعتبرت أن هذا التراجع يفرض البحث عن موارد إضافية ومستدامة، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات المرتبطة بالتشغيل والحماية الاجتماعية والصحة والتعليم والتغيرات المناخية.
وأكدت في هذا السياق ضرورة تعزيز التنسيق بين وكالات الأمم المتحدة، والانتقال من المشاريع المنفصلة إلى برامج مشتركة تستجيب للأولويات الوطنية، إلى جانب تنويع مصادر التمويل واستكشاف آليات تمويل مبتكرة وشراكات مع المؤسسات المالية الدولية والقطاع الخاص.
وشددت على أن الهدف لا يقتصر على زيادة حجم الموارد، بل يشمل أيضا تحسين استخدامها وتحقيق نتائج أكبر وأكثر استدامة، من خلال تطوير آليات التنسيق والمتابعة وقياس الأثر.
إصلاح الأمم المتحدة وتعزيز تمثيل إفريقيا والدول النامية
وعلى المستوى الدولي، تطرقت المنسقة المقيمة إلى ضرورة إصلاح منظومة الأمم المتحدة وتعزيز فاعليتها وتمثيليتها، في ظل التحولات الجيوسياسية وتنامي المطالب بمراجعة نظام الحوكمة العالمية.
وأشارت إلى أن الأمين العام للأمم المتحدة دعا مرارا إلى إصلاح مجلس الأمن، الذي لا يزال يعكس موازين القوى لسنة 1945 ولا يمثل واقع العالم اليوم، مطالبا بتخصيص مقعدين دائمين لإفريقيا وتعزيز تمثيل الدول النامية، فضلا عن الحد من استخدام حق النقض، خاصة في حالات الإبادة الجماعية والجرائم الفظيعة.
وأوضحت أن إصلاح مجلس الأمن يظل من صلاحيات الدول الأعضاء، ويتطلب إرادة سياسية مشتركة، مشيرة إلى إطلاق مبادرتي «الأمم المتحدة 80» و«الأمم المتحدة 2.0» بهدف الحد من ازدواجية التدخلات وتعزيز التنسيق بين الوكالات، وتحديث أساليب العمل والاعتماد على الابتكار والتحول الرقمي.
وأكدت أن التعاون الدولي لم يعد خيارا، بل أصبح ضرورة لمواجهة تحديات لا تستطيع أي دولة التصدي لها بمفردها، على غرار التغير المناخي وحفظ السلام ومخاطر سوء استخدام الذكاء الاصطناعي. وشددت على أهمية احترام ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه، بما يضمن سيادة الدول والمساواة بينها وحماية حقوق الدول الأكثر هشاشة.
القضية الفلسطينية: مواصلة الجهود الإنسانية والدبلوماسية
وفي ما يتعلق بالحرب في غزة والتصعيد في الشرق الأوسط، أكدت طه أن تونس والأمم المتحدة تعملان على حشد الدعم الدولي لحماية المدنيين الفلسطينيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، واستمرار الخدمات الأساسية، وخاصة الرعاية الصحية والتعليم وإغاثة اللاجئين الفلسطينيين.
وأعربت عن أسفها إزاء حجم الخسائر البشرية والدمار في غزة، وعجز مجلس الأمن عن وقف الحرب، مشيرة إلى أن الأمم المتحدة واصلت، رغم ذلك، جهودها الدبلوماسية والإنسانية وتقديم المساعدات لملايين الفلسطينيين في ظروف بالغة الخطورة.
وأضافت أن المنظمة فقدت ما لا يقل عن 376 من موظفيها حتى أكتوبر 2025 في غزة، في أكبر خسارة بشرية في تاريخها.
وشددت على أن قدرة الأمم المتحدة على إنهاء النزاعات تظل مرتبطة بالتوافق السياسي بين الدول الأعضاء في مجلس الأمن، غير أن القيود السياسية لا تمنع المنظمة من مواصلة الدفاع عن القانون الدولي وحماية المدنيين.
كما أكدت تقاطع مواقف تونس والأمم المتحدة بشأن ضرورة التوصل إلى حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين، مع التشديد على أن غزة جزء لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية.
تونس والتعاون الإفريقي والعمل متعدد الأطراف
وفي سياق التعاون الإفريقي، اعتبرت طه أن الأمم المتحدة تضطلع بدور مهم في تعزيز التعاون بين بلدان الجنوب، من خلال تسهيل تبادل الخبرات والتجارب الناجحة، بما يتيح لتونس الاستفادة من تجارب الدول الأخرى وتقاسم خبراتها معها، خاصة في مجالات الرقمنة والإحصاء والتكيف مع التغيرات المناخية والطاقات المتجددة.
كما ذكّرت بالدور الذي اضطلعت به تونس في دعم التعددية الدولية والتضامن الإفريقي والعربي، ومشاركتها في جهود حفظ السلام منذ السنوات الأولى للاستقلال.
ومن أبرز المحطات التي توقفت عندها انتخاب المنجي سليم سنة 1961 رئيسا للدورة السادسة عشرة للجمعية العامة للأمم المتحدة، ليكون أول إفريقي يتولى هذا المنصب، في مرحلة شهدت تصاعد حركات التحرر واستقلال العديد من البلدان الإفريقية.
كما أشارت إلى مساهمة تونس في اعتماد قرار مجلس الأمن رقم 2565 بالإجماع في 26 فيفري 2021، خلال جائحة كوفيد-19، والذي دعا إلى ضمان الوصول العادل إلى اللقاحات، خاصة في مناطق النزاع، وتشجيع تقاسمها مع البلدان النامية.
«لا ينبغي أن نفقد الأمل في مستقبل أفضل»
وفي ختام حديثها، وجهت رنا طه رسالة إلى التونسيين دعتهم فيها إلى عدم فقدان الأمل في مستقبل أفضل، معتبرة أن تونس تمتلك طاقات بشرية كبيرة وشبابا متعلما وكفاءات قادرة على المنافسة عالميا، فضلا عن موقع جغرافي استراتيجي وإمكانات مهمة.
وأكدت أن تجاوز التحديات وتحقيق التحول المنشود يقتضيان قرارات شجاعة وخيارات مدروسة وتضافر جهود الجميع، مع إتاحة الفرصة أمام الشباب للمساهمة في بناء المستقبل.
وشددت على أن الشراكة بين تونس والأمم المتحدة ستواصل التركيز على دعم الأولويات الوطنية وتعزيز الإدماج الاجتماعي والتنمية الاقتصادية والتشغيل والتحول البيئي، مع الانتقال تدريجيا من المشاريع المنفردة إلى برامج متكاملة وشراكات استراتيجية تستجيب لتطلعات التونسيين إلى التنمية والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.
وأكدت رنا طه، في حوار مع وكالة تونس إفريقيا للأنباء، أن الشراكة بين تونس والأمم المتحدة تطورت على امتداد العقود الماضية لتشمل مجالات متعددة، انطلاقا من دعم القطاعات الأساسية، على غرار الصحة والتعليم، وصولا إلى تطوير السياسات العمومية وتعزيز الحماية الاجتماعية والتشغيل والتنمية الاقتصادية وحماية البيئة.
وأوضحت أن تونس لم تكن مجرد بلد مستفيد من دعم المنظمة الأممية، بل ساهمت بدورها في تعزيز العمل الدولي متعدد الأطراف، من خلال دبلوماسيتها وكفاءاتها ومشاركتها في عمليات حفظ السلام، فضلا عن دورها في الدفاع عن قضايا التحرر والتضامن الدولي.
حصيلة التعاون: آلاف مواطن الشغل ومكاسب في الصحة والتعليم
وفي تقييمها لحصيلة التعاون بين تونس والأمم المتحدة، أبرزت طه مساهمة البرامج المشتركة في دعم المؤسسات والقطاعات الإنتاجية وتعزيز التمكين الاقتصادي للنساء.ففي قطاع الصناعات الغذائية، ساهمت برامج الدعم في توفير أكثر من 3600 فرصة عمل، 90 بالمائة منها لفائدة النساء، إلى جانب ارتفاع حجم الصادرات بنسبة 194 بالمائة. كما ساهمت تدخلات المنظمة في الحفاظ على 14 ألف موطن شغل في قطاع النسيج، مع ارتفاع قيمة الصادرات بنسبة 7 بالمائة، من 226 إلى 242 مليون دولار.
وشملت التدخلات أيضا مرافقة أكثر من 2200 امرأة في ولايتي القيروان وجندوبة لتطوير أنشطتهن ومشاريعهن، فضلا عن دعم 80 مؤسسة، ظل أكثر من 88 بالمائة منها ناشطا سنة 2025. كما ساهمت المنظمة في تحديث صندوق تعويض الأضرار الفلاحية الناجمة عن الجوائح الطبيعية، الذي مكّن من تعويض 6424 مستغلة فلاحية.
وفي مجال التعليم وتنمية الطفولة المبكرة، دعمت الأمم المتحدة جهود الحد من الانقطاع المدرسي لفائدة 12 ألف تلميذ، ورافقت أكثر من 7000 مراهق بين سنتي 2021 و2025، عاد أكثر من نصفهم إلى الدراسة أو التحقوا بالتكوين المهني أو حصلوا على عمل.
كما ساهمت في تحسين البيئة التعليمية من خلال تجهيز 68 روضة أطفال وتوفير أكثر من 12 ألف جهاز ومعدة تعليمية.
أما في القطاع الصحي، فقد شملت المساهمات تجديد 90 بالمائة من سلسلة تبريد اللقاحات، واقتناء أكثر من 1800 تجهيز طبي لفائدة 1850 مركز صحة أساسية و264 دائرة صحية و75 مستشفى، إلى جانب دعم رقمنة التلقيح وتحديث خدمات العلاج والتشخيص وتعزيز الكفاءات.
وفي ما يتعلق بالحماية الاجتماعية، ساهمت المنظمة في توسيع التغطية بالمنح الشهرية ضمن برنامج «الأمان الاجتماعي»، لتشمل أكثر من 600 ألف طفل من الولادة إلى سن 18 عاما سنة 2025، مسجلة زيادة بنسبة 443 بالمائة مقارنة بسنة 2020.
التحول البيئي ومواجهة التغيرات المناخية
وفي مجال البيئة والتكيف مع التغيرات المناخية، أشارت المنسقة المقيمة للأمم المتحدة إلى دعم المنظمة جهود تونس لإدماج البعد المناخي في السياسات العمومية وتحويل الالتزامات المناخية إلى استثمارات وإجراءات عملية.وفي هذا الإطار، ساهمت الأمم المتحدة في إعداد النسخة الثالثة من المساهمة المحددة وطنيا، التي انطلقت أعمال إعدادها سنة 2025 واستُكملت سنة 2026، باحتياجات استثمارية تُقدّر بنحو 55 مليار دولار للفترة 2026-2035.
كما تساند المنظمة الخطة الوطنية للتكيف مع التغيرات المناخية، بما يشمل تعزيز الأمن الغذائي وحماية الموارد الطبيعية، وخاصة المياه. وشملت تدخلاتها إعداد أدوات لخطط العمل المناخي المحلي، وتشجيع 3200 شاب على المشاركة في 90 مبادرة موزعة على 24 ولاية.
ولمواجهة ندرة المياه والجفاف، دعمت المنظمة تحديث الأدوات الرقمية لتسيير الموارد المائية، وتحليل الهشاشة وتحسين أنظمة الإنذار المبكر. كما ساهمت في جمع 3000 عينة من التربة وإنشاء قاعدة مرجعية للخصوبة، إلى جانب اعتماد المكافحة البيولوجية للآفات.
أولويات جديدة للتعاون خلال الفترة 2027-2031
وبخصوص آفاق الشراكة، كشفت طه أن الأمم المتحدة تعمل بالتنسيق مع الشركاء التونسيين على إعداد إطار تعاون جديد للفترة 2027-2031، يرتكز على ثلاث أولويات استراتيجية.وتتمثل الأولوية الأولى في تعزيز الإدماج الاجتماعي وتكافؤ الفرص وتحسين جودة الخدمات الأساسية، خاصة في مجالات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، مع تقليص الفوارق بين الفئات والمناطق.
أما الأولوية الثانية فتتعلق بدعم التنمية الاقتصادية والتشغيل، من خلال تعزيز فرص العمل اللائق وريادة الأعمال والإدماج الاقتصادي، مع التركيز على الشباب والنساء والفئات الأكثر هشاشة.
وتتمثل الأولوية الثالثة في تسريع التحول البيئي وتعزيز القدرة على الصمود أمام التغيرات المناخية، وحماية الموارد الطبيعية، وخاصة المياه.
وسيتم تنفيذ هذه الأولويات من خلال برامج ومشاريع مشتركة مع المؤسسات الوطنية، مع اعتماد آليات للمتابعة والتقييم، وتعزيز التنسيق بين وكالات الأمم المتحدة وتعبئة الشراكات والموارد الضرورية لتحقيق نتائج ملموسة ومستدامة.
تونس في المرتبة 72 عالميا في تحقيق أهداف التنمية المستدامة
وفي ما يتعلق بالتقدم المحرز في تحقيق أهداف التنمية المستدامة في أفق 2030، أفادت طه بأن تقرير التنمية المستدامة لسنة 2026 صنّف تونس في المرتبة 72 من بين 169 بلدا، وهو ما يعكس تقدما في عدد من المجالات، وإن كان متفاوتا.وأشارت إلى أن تونس حققت مكاسب في الصحة والتعليم والنفاذ إلى الخدمات الأساسية، كما أحرزت تقدما في إدماج أهداف التنمية المستدامة ضمن سياساتها الوطنية، غير أن تحديات التشغيل والحد من الفقر وتقليص الفوارق الاجتماعية والجهوية ما تزال قائمة، بما يستوجب تسريع الجهود خلال السنوات المقبلة.
وفي هذا السياق، تعمل منظومة الأمم المتحدة على دعم تونس في تطوير مقاربة متكاملة لتمويل التنمية، من خلال المساهمة في إرساء منصة وطنية لتمويل التنمية والاستثمار (Finance & Investment Hub)، تحت القيادة الوطنية وبمشاركة الشركاء المعنيين، بهدف تحسين التنسيق بين مصادر التمويل وتحديد المشاريع ذات الأولوية وربط الاحتياجات التنموية بفرص التمويل والاستثمار.
كما تعمل المنظمة على دعم المبادرة الخاصة والابتكار ومعالجة الأسباب الهيكلية للهجرة، باعتبار أن توسيع فرص العمل اللائق وتطوير المهارات ودعم ريادة الأعمال داخل الجهات تمثل عناصر أساسية للحد من دوافع الهجرة غير النظامية.
وفي هذا الإطار، ساهمت برامج الأمم المتحدة في تحسين إنتاجية 265 مؤسسة صغرى ومتوسطة، ومرافقة 210 شباب في مجال ريادة الأعمال، وأكثر من 100 شاب في مسارات تنقل مهني منظم نحو إيطاليا. كما تمت مرافقة 350 صاحبة مشروع في سبع ولايات، ودعم 57 تعاونية ومجمعا فلاحيا، وتدريب أكثر من 3000 حرفي ومصمم ورائد أعمال.
تراجع التمويل الدولي يفرض تنويع مصادر الدعم
وفي حديثها عن التحديات التي تواجه تنفيذ البرامج التنموية، لفتت طه إلى تراجع التمويل الدولي والمساعدات الإنمائية، مشيرة إلى أن المساعدات الإنمائية الرسمية انخفضت عالميا بنسبة 23.1 بالمائة سنة 2025 مقارنة بسنة 2024، وفقا لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.واعتبرت أن هذا التراجع يفرض البحث عن موارد إضافية ومستدامة، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات المرتبطة بالتشغيل والحماية الاجتماعية والصحة والتعليم والتغيرات المناخية.
وأكدت في هذا السياق ضرورة تعزيز التنسيق بين وكالات الأمم المتحدة، والانتقال من المشاريع المنفصلة إلى برامج مشتركة تستجيب للأولويات الوطنية، إلى جانب تنويع مصادر التمويل واستكشاف آليات تمويل مبتكرة وشراكات مع المؤسسات المالية الدولية والقطاع الخاص.
وشددت على أن الهدف لا يقتصر على زيادة حجم الموارد، بل يشمل أيضا تحسين استخدامها وتحقيق نتائج أكبر وأكثر استدامة، من خلال تطوير آليات التنسيق والمتابعة وقياس الأثر.
إصلاح الأمم المتحدة وتعزيز تمثيل إفريقيا والدول النامية
وعلى المستوى الدولي، تطرقت المنسقة المقيمة إلى ضرورة إصلاح منظومة الأمم المتحدة وتعزيز فاعليتها وتمثيليتها، في ظل التحولات الجيوسياسية وتنامي المطالب بمراجعة نظام الحوكمة العالمية.وأشارت إلى أن الأمين العام للأمم المتحدة دعا مرارا إلى إصلاح مجلس الأمن، الذي لا يزال يعكس موازين القوى لسنة 1945 ولا يمثل واقع العالم اليوم، مطالبا بتخصيص مقعدين دائمين لإفريقيا وتعزيز تمثيل الدول النامية، فضلا عن الحد من استخدام حق النقض، خاصة في حالات الإبادة الجماعية والجرائم الفظيعة.
وأوضحت أن إصلاح مجلس الأمن يظل من صلاحيات الدول الأعضاء، ويتطلب إرادة سياسية مشتركة، مشيرة إلى إطلاق مبادرتي «الأمم المتحدة 80» و«الأمم المتحدة 2.0» بهدف الحد من ازدواجية التدخلات وتعزيز التنسيق بين الوكالات، وتحديث أساليب العمل والاعتماد على الابتكار والتحول الرقمي.
وأكدت أن التعاون الدولي لم يعد خيارا، بل أصبح ضرورة لمواجهة تحديات لا تستطيع أي دولة التصدي لها بمفردها، على غرار التغير المناخي وحفظ السلام ومخاطر سوء استخدام الذكاء الاصطناعي. وشددت على أهمية احترام ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه، بما يضمن سيادة الدول والمساواة بينها وحماية حقوق الدول الأكثر هشاشة.
القضية الفلسطينية: مواصلة الجهود الإنسانية والدبلوماسية
وفي ما يتعلق بالحرب في غزة والتصعيد في الشرق الأوسط، أكدت طه أن تونس والأمم المتحدة تعملان على حشد الدعم الدولي لحماية المدنيين الفلسطينيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، واستمرار الخدمات الأساسية، وخاصة الرعاية الصحية والتعليم وإغاثة اللاجئين الفلسطينيين.وأعربت عن أسفها إزاء حجم الخسائر البشرية والدمار في غزة، وعجز مجلس الأمن عن وقف الحرب، مشيرة إلى أن الأمم المتحدة واصلت، رغم ذلك، جهودها الدبلوماسية والإنسانية وتقديم المساعدات لملايين الفلسطينيين في ظروف بالغة الخطورة.
وأضافت أن المنظمة فقدت ما لا يقل عن 376 من موظفيها حتى أكتوبر 2025 في غزة، في أكبر خسارة بشرية في تاريخها.
وشددت على أن قدرة الأمم المتحدة على إنهاء النزاعات تظل مرتبطة بالتوافق السياسي بين الدول الأعضاء في مجلس الأمن، غير أن القيود السياسية لا تمنع المنظمة من مواصلة الدفاع عن القانون الدولي وحماية المدنيين.
كما أكدت تقاطع مواقف تونس والأمم المتحدة بشأن ضرورة التوصل إلى حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين، مع التشديد على أن غزة جزء لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية.
تونس والتعاون الإفريقي والعمل متعدد الأطراف
وفي سياق التعاون الإفريقي، اعتبرت طه أن الأمم المتحدة تضطلع بدور مهم في تعزيز التعاون بين بلدان الجنوب، من خلال تسهيل تبادل الخبرات والتجارب الناجحة، بما يتيح لتونس الاستفادة من تجارب الدول الأخرى وتقاسم خبراتها معها، خاصة في مجالات الرقمنة والإحصاء والتكيف مع التغيرات المناخية والطاقات المتجددة.كما ذكّرت بالدور الذي اضطلعت به تونس في دعم التعددية الدولية والتضامن الإفريقي والعربي، ومشاركتها في جهود حفظ السلام منذ السنوات الأولى للاستقلال.
ومن أبرز المحطات التي توقفت عندها انتخاب المنجي سليم سنة 1961 رئيسا للدورة السادسة عشرة للجمعية العامة للأمم المتحدة، ليكون أول إفريقي يتولى هذا المنصب، في مرحلة شهدت تصاعد حركات التحرر واستقلال العديد من البلدان الإفريقية.
كما أشارت إلى مساهمة تونس في اعتماد قرار مجلس الأمن رقم 2565 بالإجماع في 26 فيفري 2021، خلال جائحة كوفيد-19، والذي دعا إلى ضمان الوصول العادل إلى اللقاحات، خاصة في مناطق النزاع، وتشجيع تقاسمها مع البلدان النامية.
«لا ينبغي أن نفقد الأمل في مستقبل أفضل»
وفي ختام حديثها، وجهت رنا طه رسالة إلى التونسيين دعتهم فيها إلى عدم فقدان الأمل في مستقبل أفضل، معتبرة أن تونس تمتلك طاقات بشرية كبيرة وشبابا متعلما وكفاءات قادرة على المنافسة عالميا، فضلا عن موقع جغرافي استراتيجي وإمكانات مهمة.وأكدت أن تجاوز التحديات وتحقيق التحول المنشود يقتضيان قرارات شجاعة وخيارات مدروسة وتضافر جهود الجميع، مع إتاحة الفرصة أمام الشباب للمساهمة في بناء المستقبل.
وشددت على أن الشراكة بين تونس والأمم المتحدة ستواصل التركيز على دعم الأولويات الوطنية وتعزيز الإدماج الاجتماعي والتنمية الاقتصادية والتشغيل والتحول البيئي، مع الانتقال تدريجيا من المشاريع المنفردة إلى برامج متكاملة وشراكات استراتيجية تستجيب لتطلعات التونسيين إلى التنمية والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.









Comments
0 de 0 commentaires pour l'article 339289