"الدولة"... "أمّ حنون" جفّ ضرعها.



المهدي الجندوبي


كنت استمع الى إحدى الفيديوهات التي تضعها صدفة البحث على اليوتوب تحت أنظارنا و شدّني خطاب شاب ضاقت به الحال و كل ما يقوم به يضعه في مواجهة مع "الحاكم" سواء وضع سلعة على الأرض يقتات بها أو توجّه الى "الزظلة" أو خرج يتظاهر في الشارع أو قرّر الهجرة عبر الحرقة. خطاب المرارة و اليأس من "السلطة" هذا سبق لي ان إستمعته من زميل شاب خرّيج الجامعة التونسية و حاصل على الدكتوراه في الخارج و عاد الى تونس مطلع القرن و إعترضته صعوبات بيروقراطية و فتور في التعامل مع المسؤولين في جهاز التعليم العالي. إندهشت لهذا التقاطع بين من لفظته المؤسسة التربوية و هو في بداية مساره التعليمي و من أكمل تعليمه في تونس و في الخارج، فظروفهم مختلفة جذريا لكن لماذا هذا التشابه في خيبة الأمل من "الحاكم"؟

تحالف كرونا مع وضعية التقاعد المريح المقيت، دفعني الى بعض التاملات الشخصية فسالت نفسي: لماذا أحب "الدّولة" و أندهش لمثل هذه الخطابات التي يفصل بيني و بين صاحبيها جيل بالنسبة لزميلي و جيلين بالنسبة للشاب صاحب التصريح اليوتوبي؟.


"حليب الدولة" داخل المدرسة.

دخلت سنة 1959 المدرسة الإبتدائية في مدينة باجة العامرة و أذكر الى اليوم كيف كنا نسطفّ مرحين بين حصّتين من الدّرس لتناول كأس من الحليب و عندما ذكرت ذلك الى صديق من جيلي درس في الساحل ضحك و قال لي متحمّسا، نعم شربت الحليب في "الكار" و هو هذا الكأس من الأليمنيوم الذي يحتمل ربع لتر و منها اصل تسميته في الفرنسية. كلّ التلاميذ يشربون كأس الحليب أما الفطور في "الكنتينة" (المقصف) فكان يقتصر على قسم من زملائنا تمنح لهم بطاقة على خلفية وضعية أسرهم الإجتماعية.
هذه واحدة من خصال ما يسمى في كتب العلوم السياسية "الدولة الراعيةEtat providence و كلّ ما سأرويه لكم اليوم ليس سوى تجسيم لفضائل هذه الرعاية التي حبتني بها "الدولة الأم" فمن غير أمك تهبك حليبها؟.
و بينما كنّا منغمسين في الدّرس يدخل علينا مرّة ممرض يحمل علبة كبيرة و يستأذن من المعلّم و يتحوّل قسمنا الى غرفة عمليات طبية، فينتقل الممرض بين الصّفوف و ينزع "العراقية" على راس بعضنا لأن مرض القرع (الفرطس) كان يطال ربع التلاميذ او ثلثهم. و يطلي الممرض الرؤوس بمرهم أسود اللّون تدغدغ خياشيمي رائحته القويّة الى اليوم عندما أستحضر هذا المشهد، بعد أكثر من 50 سنة.

و مرّة أخرى يهتمّ الممرّض بأعيننا فيضع فيها "بوماضة" pommade سحرية تذهب إلتهابات مرض الرّمد و كان ايضا منتشرا. و مرّة أشربونا حقنة مقزّزة كنا نقول وقتها "زيت حوت" و أظنّها من المقوّيات و الله اعلم. كم كانت رحيمة بصحّتنا دولة الإستقلال في عنفوانها كقبل أن يتحوّل المناضلون الذين قاوموا الإستعمار، الى أكابر و ينعزلون في فيلاتهم و سياراتهم الفخمة.

و مرّة دخل المدير فقمنا للتحية فقال لنا كل تلميذ له بطاقة "الكنتينة" يجب أن يمرّ بالإدارة و إنكشف لغز هذه الدّعوة التي حرمنا منها، نحن من نشرب الحليب لكن لا نملك بطاقة "كنتينة"، عندما عاد زملاؤنا سعداء،هذا بحذاء جديد و هذا بمريول صوف و هذا بمعطف. هل يعرف جيل شبابنا اليوم هذه الدولة التي تشربك حليبها و تعالج قرعك و "تدفي جنبك" من البرد القارص إضافة الى انها تعلّمك حروف الأبجدية؟


"ليسي" باجة في الستينات في حجم كلية


عندما أنهيت الإبتدائي دخلت نهاية الستينات أوّل "ليسي" بنته الجمهورية في مدينتنا على ربوة بين سيدي الهواري و سيدي فرج و يحمل اليوم إسم إبن الهيثم و هو قلعة علمية يقال وقتها أنها هبة من السويد، يمكنها أن تفاخر اليوم في حجمها و معمارها و تجهيزاتها كلية من كلياتنا. فيها مخبر العلوم بمخزنه من الحيوانات المجففة و أنابيب تجارب الكيمياء، و فيه قاعة إنتظار permanence في شكل مسرح مصغّر مع كابينة وضعت فيها آلة عرض سنمائي لأن هذه القاعة كانت المكان الذي نقضي فيه ساعات العقاب الأسبوعية او التي ننتظر فيها الدرس اللاّحق لكنها أيضا كانت القاعة التي نشاهد فيها بعض الأفلام السنمائية.

و في معهدنا قاعة الجغرافيا و بها ستائر سوداء كنا نحرّكها لتظلم القاعة عندما تستعمل الأستاذة آلة سحرية تعكس الشفافات على شاشة السبورة diapositives لتشرح لنا الأرض و تركيبتها أو المناخ أو ما تريد أن تخوضه من معارف فمرّة تلقي محاضرة مرّة تناقش و مرّة أخرى ننعم بالصور المتلاحقة على الشاشة.
و في معهدنا كانت ورشة حدادة و نجارة و اذكر انني قطعت الحديد بمنشار حديدي و الخشب بمنشار خشبي. أما قاعة الرياضة فكانت جدرانها من البلاستيك الأزرق و فيها كل أنواع الرياضات من حبال للتسلّق و "حصان" للقفز saut de cheval و جهاز المتوازيين barres paralleles و غيرها من التجهيزات الرياضية. هذا إضافة الى ملاعب خارجية لكرة السلّة و كرة اليد و الكرة الطائرة.
و مرّت بمعهدنا موجة فلسفة التعاضد في الستّنات التي سعى الى نشرها المرحوم الوزير النقابي أحمد بن صالح باعث مفهوم التخطيط في تونس، الذي اقنع بورقيبة بمزايا الفكر الإشتراكي ففتحوا لنا بإمكانيات بسيطة متجرا مصغّرا ينشّطه التلاميذ بيعا و شراء.

و من مبادرات الوزير المصلح أنه دمج تلاميذ التضامن مع تلاميذ المبيت. أولاد التضامن هم تلاميذ لا تقدر اسرهم على دفع معاليم المبيت داخل المعهد فكانوا يعيشون في مبيت إجتماعي متواضع بباجة على مقربة من محطة الرّتل حاليا، على مسافة اقل من كيلومتر من المعهد، و كل صباح تراهم في الطابور شبه عسكري يتوجّهون الى المعهد و يقال ان غذاءهم اقل جودة، يغلب عليه البرغل. إستاء احمد بن صالح و كان وزيرا جمع عدة وزارات تحت إمرته، من هذه التفرقة الإجتماعية فقرّر دمج تلاميذ التضامن في المبيت و حوّل إعتمادات التضامن المتواضعة الى مبيت الليسي فأصبح الفقير و الأكثر يسرا ينامون في نفس المبيت و ياكلون على نفس الطاولة.
نادي المسرح في "الليسي".
و في نهاية كل مرحلة من مراحل الإمتحانات كان يدخل علينا فجأة المدير و معه القيّم العام فنقف في صمت رهيب للتحية فينشرح وجهه و هي منّة كبرى منه، و يفتح ملفا كان يرافقه فينادي بالإسم على بعض التلاميذ يمنحهم شهادة شرف او إستحسان و يشكر جهدهم و يلاحظ للبعض الآخر أنه حصل على إنذار طالبا منه التدارك.

يوم الجمعة مساء في الليسي كانت تقام تظاهرات رياضية و هي تدريبات نخبة من التلاميذ،خارج دروس الرياضة الرسمية للجميع و كذلك كانت توجد نوادي فنية. إنتميت من السنة اولى في سن 12 الى نادي المسرح الذي كان يشتمل على مجموعة الصغار و مجموعة الكبار اي من يدرسون الثالثة فما فوق و كان يدرّبنا الأستاذ علية التونسي أطال الله عمره، و هو متفرّغ للعمل كمنشط مسرحي في لجنة الثقافة بباجة و تم تكليفه بنادي المسرح لأن المعهد وقتها يفتقد الى استاذ مسرح و توّج نشاط فريق الصّغار الذي كنت انتمي إليه بعرض في قاعة مسرح مدينة باجة.
كانت وقتها تسمى "الصّالة" على ملك البلدية و تشتمل على خشبة مسرحية و ستار و حدّ مقبول من التجهيزات المسرحية البسيطة و تستعمل للإجتماعات السياسية و للعروض الثقافية. أما فرقة "الكبار" لنادي المسرح، فقد دعيت مرّة لتقديم عرضها لمسرحية عطيل أمام الزعيم الرئيس الحبيب بورقيبة أثناء إحدى زياراته للجهة. و اذكر مرّة إنبهارنا يوم وصل الصّندوق الخشبي العملاق من وزارة الثقافة و فيه ملابس مسرحية و فهمت بعدها أنها خدمة كانت تقدّمها وزارة الثقافة للجهات.

و أبدع في آداء دور بطولة مسرحية عطيل، الشاب الموهوب عمر الجلجلي أطال الله في عمره، الذي إلتحق بعد ذلك بسلك الحرس الوطني. و من طريف الصّدف أنني عرفت سابقا الشاب عمر الجلجلي عندما كان ينشّط نادي طفولة في محلّ لا يكبر على ما نسميه اليوم "قاراج" و كلّ تجهيزاته تتلخّص في "أبناك" كنّا نجلس عليها، فتحته على مقربة من حيّنا الشعبة الدستورية المهنية للبريد و كان "مسؤول" نادي الأطفال في سن 15 تحت إشراف إداري لكبار لا أعرفهم أذكر منهم السيد زعرور كان يزورنا أحيانا للتفقّد، و هو ساعي بريد لا تفارقه الإبتسامة معروف في مدينتنا.

و كان عمر الجلجلي يعلّمنا الأغاني و الألعاب الجماعية بعقلية شبه كشفية من غير أن نكون رسميا ضمن الكشافة التونسية. تصوّروا هذه الدّرجة من الثقة في النفس و هذه الفرصة لصقل مواهبه القيادية التي حصل عليها هذا الشاب المنشط الثقافي و الممثل بالفطرة في هذا "القاراج الثقافي" و في نادي المسرح.

و إنتمى رفيق دراستي الفنان عدنان الشواشي الى نادي الموسيقى في "الليسي" الذي كان يشرف عليه الأستاذ الموسيقار الهادي المقراني رحمه الله بالتوازي مع دروس الموسيقى النظامية، التي اضيفت الى البرامج الدراسية و كانت لعدنان الشواشي موهبة فطرية صقلها نادي الموسيقى في المعهد إضافة الى تدريبات نظّمتها اللّجنة الثقافية و كان يشرف عليها بابا منوّر و هو فنان عصامي ساهم في صقل مواهب شباب المدينة و كل هذه الأنشطة يحتضنها مقرّ الكنيسة التي إسترجعتها تونس بعد الإستقلال و حوّلتها الى فضاء ثقافي. و هكذا كانت بدايات فنان وطني اصيل بين رعاية نادي الموسيقى في الليسي و رعاية اللجنة الثقافية في المدينة.

في إحدى العطل الدراسية لسنة 1971 تجمّعت حافلات النقل من أقصى الجنوب الى اقصى الشمال على مقربة من معهد من معاهد نابل، فماذا سيجري؟ إنهم تلاميذ النّوادي المدرسية من كلّ تراب الجمهورية جاؤوا "لمهرجان" يعرضون فيه أعمالهم الموسيقية و المسرحية و الفنية و مثّل نادي الموسيقى لمعهدنا الفنان عدنان الشواشي مع زملائه و زميلاته. ما أعروعه درسا في منح الثقة و ما ابلغها مناسبة لترسيخ وحدة الوطن من غير ثرثرة. أهمس في آذان كل قيادات و وزراء التربية الحاليين و القادمين، إن ما تعلّمته من نادي المسرح في الليسي في سن 13 أفادني اكثر من عدّة دروس أخرى من الإبتدائي الى الجامعة في تونس و الخارج.


إدارة منفتحة على زيارات الطلبة.

بينما كنت في غمرة الفرحة بنجاحي في إمتحان الباكالوريا سنة 1971 مرّ ببيتنا شخص أجهله و أعلمني أنني مدعو الى رحلة مجانية الى عين دراهم ليومين تجمع الناجحين فاندفعت ووجدت نفسي في مخيّم طلابي مع تلاميذ من مدن شمالية أخرى و تتالى بعض المسؤولين يشرحون لنا الإقتصاد التونسي و تحديات بلادنا و اذكر أن الإختتام كان بحضور الوزير الهادي خفشّة و أذكر أنه تلقى بكثير من الأريحية أسئلة التلاميذ و لم أفهم وقتها أن الحزب الحاكم هو الذي نظمّ هذا المخيّم "ليفرح" بنا و يؤطرنا قبل أن "تتلقفنا" تنظيمات اليسار التي كانت ناشطة في الفضاء الجامعي وقتها.

كان علينا أن نحدد 3 خيارات لنحصل على التوجيه الجامعي و تم توجيهي نحو الآداب الفرنسية لكني اضفت اليها لاحقا دراسة الصحافة التي كنا نتلقاها في المساء بكلية الآداب، و أذكر سعادتنا و نحن نجوب بين الوزارات لجمع المعلومات و الحصول على الوثائق و لم اذكر يوما ان باب إدارة من الإدارات أغلقت في وجهنا فكم مرّة تجدنا مع رئيس مصلحة يتوقّف عن عمله و يتحدّث إلينا و يجوب بنا في كواليس الإدارة و نحصل منها على التقارير و الدراسات و الجداول الإحصائية، و لم نكن نحمل ورقة توصية فبمجرّد سماع كلمة طالب كانت تفتح لنا الأبواب.

و اذكر جلسة مطوّلة مع موظّف في وزارة الإعلام إستقبلني بباشة و إهتمام و علمت بعدها أنه برتبة مدير و هو النقابي محمود أونيس الذي تعرّفت لاحقا على وزنه في وزارة الإعلام وقتها و لم تجمعني به لأوّل مرة سوى عبارة انا طالب احتاج الى وثائق.

فهمت أن هذه العقلية المنفتحة على الطلبة ولّت و إنتهت عندما كنت ارسل طلبتي بمعهد الصحافة لإنجاز نفس التطبيقات في التسعينات من القرن الماضي، و كانت تغلق في وجوههم كل الإدارات و يشترطون مراسلة من إدارة المعهد و على الأستاذ تحديد الموضوع و حتى مع ذلك فكم "شاوش" كان حارسا مانعا لدخول طلبتي ابواب الإدارة التونسية. ماذا تغيّر في 15 سنة بين تجربتي الشخصية و تجربة طلبتي؟

تمّ تكليفي بإنجاز تدريب اول أثناء الدّراسة، في مجلّة ديالوغ الأسبوعية و هي على ملك الحزب الحاكم وقتها و كان يديرها الأستاذ عمر صحابو الذي غادر بعد ذلك الحزب الحاكم و خاض غمار تجربة تجمع بين النضال و الصحافة و هو مؤسس جريدة المغرب اليومية العريقة، و تدريب آخر في وكالة تونس إفريقيا للأنباء التي كان يديرها المرحوم مصطفي المصمودي و في نهاية التدريب الأوّل دعا سي عمر صحابو المتربصين لفطور توديع و طرح علينا أسئلة حول مدى إستفادتنا و كذلك دعانا مدير الوكالة المصمودي بمكتبه لحديث حول ظروف تدريبنا. كم طالب اليوم يحظى بمثل هذه العناية في نهاية تربّصه من قبل أكبر مسؤول؟

إنتميت لكلية الآداب 9 افريل و هي في اوج حركيّتها النضالية في مطلع السّبعينات من القرن الماضي و من السنة الأولى من دراستي، أغلقت الجامعة لأكثر من شهر و أجبرنا على مغادرة المبيتات الجامعية و الغيت دورة جوان للإمتحانات التي تمّ تنظيمها في سبتمبر تحت حراسة امنية مشدّدة. واكبت كل هذه الأحداث و "عملت جو" بطريقة سلبية أي "إسمع و شوف و إبعد على الخطر" و حضرت جلسات عامّة منعشة و مفيدة يخطب فيها المناضل حمّة الهمامي و هو طالب في شعبة الآداب يسبقني بسنتين على ما اظن و اذكر جيّدا أنه حدّثنا يوما على إضرابات تجري في المعاهد الثانوية و كان يسمّيها "الحركة التلمذية".

و أذكر يوما أن طالبا مناضلا كنت أسمع تدخّلاته القاسية ضدّ السّلطة و كان زميلي في شعبة الفرنسية حتى أنه إعتبر الوزير السابق أحمد بن صالح "عميلا" لأنه غادر موقعه كزعيم نقابي و إلتحق بحكومة بورقيبة و أن برنامجه الإقتصادي "التعاضدي" يزكيه البنك الدولي و من وراء البنك الدولي الإمبريالية الأمريكية. لم تكن لي الحجج الكافية و لا الشجاعة لمعارضة هذا المعارض الشاب الذي كان يحظى بإشعاع في مجموعة درسنا لكني كنت أعرف بالفطرة أن بن صالح الذي جمع بين أبناء الفقراء و ابناء الميسورين في مبيت واحد و أنهى طابور التلاميذ الذي كنت اراه كل صباح يمشي على الأقدام من محل التضامن حيث يسكن ابناء الفقراء الى الليسي بمدينة باجة، لا يمكن أن يكون عميلا.

و كم كانت خيبة أمل زميلي المناضل عندما قدّم لي عريضة نسيت مضمونها لكني اعرف أنها بلغة أهلي "تهز للفينقة" (السجن)، فرفضت إضافة إسمي لشريط اسماء زملائي و أصدقائي. نعم كنت مواطنا خوّافا. و من مفارقة الأقدار أن الطالب المعارض الشّرس أصبح بعد سنوات من قيادات الشعبة المهنية للحزب الحاكم في مؤسسة عامّة. لا لوم و لا تثريب، هكذا تنضج افكارنا و تتطوّر شخصياتنا و تعدّل قيمنا في إنسجام سحري مع مصالحنا، فالتاريخ كما العلم "أخطاء تصحّح" حسب عبارة العالم الفيلسوف باشلار، الذي كان يذّكّرنا بها دوما الأستاذ عبد القادر بن شيخ، الأديب مؤلّف رواية "و نصيبي من الأفق" و صاحب اوّل دكتوراه تونسية في الإتصال.
منحوني شغلا لم أطلبه بالمرّة.
أنهيت الدراسة سنة 1976 و تمّت دعوتي لحضور حفل توزيع جوائز رئيس الجمهورية بكلية الاداب و نالني شرف مصافحة و تقبيل الزعيم الحبيب بورقيبة و اذكر أنني كنت من ضمن الأواخر لتسلّم جائزة معهد الصحافة و قد إستمرّ مرور الطلبة من مؤسسات جامعية اخرى قرابة الساعة و حرص الرئيس أن يقدّم التحية شخصيا لكلّ طالب و اذكر انني لمست إرهاقه و هو يعرض علينا يده للتحية ووجهه للتقبيل. لكنّه أصرّ على البقاء واقفا.

عندما أنهيت الدراسة المزدوجة للأدب الفرنسي و للصحافة تمّت تسميتي للتدريس في معهد الكاف و إستغربت من ذلك لأني لم اقدّم مطلب توظيف و كنت أخطّط لمواصلة الدراسة في الصحافة بالخارج و هي فرصة أتاحتها لي وزارة التربية التي أعطتني منحة للدراسة في باريس لمدة 3 سنوات. علمت بعد ذلك أن وزارة التربية تحصلت على نتائج الأمتحانات من الكلية مباشرة و قررت تسميتنا قبل ان نطلب ذلك على أن نستكمل الملفات لاحقا. ما ابعدنا عن وضعية الدكاترة المعطلين عن العمل اليوم.

منحتي الدراسية التي كانت تبلغ 30 دينار شهريا اي نصف راتب المعلّم في الإبتدائي وقتها، مكّنتني من أن استقلّ تماما من الناحية المادية عن الأسرة منذ سن 18 بل اذكر أن والدي عندما تقاعد تعطلت منحته اكثر من ستة اشهر بحكم الإجراءات البيروقراطية العادية وقتها لينتقل ملفه من وزارة الصحّة التي كان يعمل تحت إشرافها الى صندوق التقاعد و نالني شرف إعارته بعض المال من منحتي إسترجعتها بعد أن أصبح صندوق التقاعد يرسل له مستحقاته بإنتظام.

لم تطل بطالتي اكثر من اسابيع صيف 1979 بعد مناقشة الدكتوراه و تم إنتدابي في وكالة الأنباء و منها إلتحقت للتدريس بمعهد الصحافة و فتح لي اساتذتي الذين إلتحقت بهم كزميل شاب كل ابواب التعاون و دفعني الأستاذ المرحوم المنصف الشنوفي مدير معهد الصحافة، لحضور إجتماعات تنسيقية بين المعهد ووزارة الإعلام و أذكر و أنا مساعد مبتدئ حضوري لإجتماع يشرف عليه الوزير الطاهر بلخوجة بحضور اهم المديرين لوسائل الإعلام من تلفزة و إذاعة ووكالة أنباء و جريدة لابريس و كان من ضمن مواضيعها التعاون بين معهد الصحافة و المؤسسات الإعلامية و أنجز فريق من الأساتذة و الموظفين بالوزارة، أوّل دراسة مشتركة بين المعهد و الوزارة حول تقييم خريجي المعهد من قبل المشغّلين.

بعد ضمان الشهرية طبعا يلوح في الأفق شراء السيارة ثم البيت، حلم كل بورجوازي صغير. و حتى في هذه المهمّة لم تتركني الدولة لحالي فكانت الشركة التونسية لصناعة السيارات STIA و هي مؤسسة تمتلكها الدولة، هي التي وفّرت لي سيارة رينو 4L كانت تقوم بتركيبها في مصانعها بمدينة سوسة العامرة بسعر 4200 دينار للسيارة الجديدة سنة 1985، و هي صيغة إستبقت ما أصبح يسمّى لاحقا بالسيارة الشعبية في التسعينات لكنّها اصبحت تورّد جاهزة للبيع و لا تصنّع محلّيا.

أمّا بالنسبة لتمويل إقتناء المنزل فقد بعث الوزير الأوّل الهادي نويرة في منتصف السبعينات، مؤسسة الكنيل (صندوق الإدخار السكني)، التي تحوّلت لاحقا الى بنك الإسكان و كنّا نساهم شهريا باقساط متواضعة و نحصل بعد فترة على قرض. أما بناء المسكن فكانت الشركة الوطنية العقارية التونسية SNIT و هي التي تفضّلت ببنائه و هي ايضا الى اليوم مؤسسة على ملك الدّولة.
العصى الغليظة.

أعرف أن الدولة تمتلك أيضا عصى غليظة طالت خيرة شبابنا منذ نهاية الستينات، عندما رفعوا عاليا سقف المواطنة فوقّعوا على عرائض سياسية، و كتبوا أدبا نضاليا و إنخرطوا في تنظيمات ممنوعة و تصدّروا الإجتماعات الإحتجاجية في بهو كليتنا ووزّعوا المناشير و الجرائد السرّية و إنتموا الى التنظيمات المحظورة و ساهموا في تنشيط الحياة الفكرية و السياسية التي إحتكرها الحزب الحاكم آنذاك، بأفكارهم و غضبهم و تمرّدهم و صمودهم.
قالوا بصوت عال أنه لا يمكن أن تعلّم الشباب و تمنع عنه التفكير، و أن العمل و المنزل و السيارة ليست الأفق الأرحب و دفعوا غاليا ثمن المواطنة في زمن الإستبداد، ففيهم من تمّ تجنيده و منهم من سجن و منهم من طرد من التعليم و منهم من هاجر للدراسة و النضال في الخارج.

كل هذه التيارات كانت تستهويني "عن بعد" فكنت استمع الى خطبهم و اطالع مناشيرهم و لا أوقّع عرائضهم و لآ أنخرط في تنظيماتهم السرّية لأني كنت أنتمي الى حزب عتيد في تونس كأنه تبخّر بعد الثورة، زمن تكاثر بطولات وهمية لا توثّقها ذاكرة كبار الحومة و لا المناشير و صحف المعارضة المخزنة في المكتبات، و هو حزب "الخبزيست".
و تيار "الخبزيست" هو في حدود تواضع إطلاعي و إهتمامي بالسياسة دون الخوض في مغامراتها،على إمتداد نصف قرن تقريبا أعرض تيّار في تونس على إمتداد عشرات السنوات قبل الثورة الذين وضعوا في اولوياتهم الدراسة و العمل و الأسرة و البيت و بعض التفرهيد لمن إستطاع إليه سبيلا. الدّولة الأم الحنون، لا تغفر لأبنائها "تمرّدهم". فقررت أن لا أغضب الأم الحنون. ألم نتربى على رضاية الوالدين؟
الدولة أطال الله مناعتها، تلاحقني بكلّ لطفها. أشربتني الحليب طفلا و بنت منزلي كهلا. و تدفع منحة تقاعدي شيخا و أعرف واثقا أنها ستدفع أيضا مصاريف الدفن بعد الوفاة لأن هناك من الوزراء الرّحيمين من أضاف الى إقتطاع مساهمة الموظّف في صندوق التقاعد قسطا بسيطا ندفعه شهريا، عرف وقتها برأس مال عند الوفاة يدفع للأسرة capital deces.

أستعرض هذه الذكريات و أعرف بساطتها لكني أردت أن أستشفّ منها عبر قصة شخصية بعض ملامح "الدولة الراعية" التي حظيت بلطفها مثلما حظي بذلك جيل كانت الدولة توفّر له المدارس و المعلّمين و تشربه الحليب و تطعمه احيانا و ترسله لمواصلة الدراسة على نفقتها الى الخارج و توفّر له الشّغل و تيسّر له سبل الإقتراض و بناء المنزل و تصنّع له محليا السيارة "الشعبية".
هذا من ناحية المباني و التجهيزات و الموارد المادية، لكن لهذه الدولة "رجالها" أيضا و هم هذا الجيش من المعلّمين و الأساتذة و الموظفين و صغار المسؤولين و كبارهم، الذين وضعوا الخطط و طوّروا طرق العمل و أوجدوا الحلول المناسبة بإمكانيات متواضعة و مارسوا أسلوب الإنفتاح على الشباب لإحتضانه و فتح الفرص امامه.

أفهم غيض بعض الشباب و بغضهم. لي دولة احببتها لأنها رعتني و لهم دولة شحّ ضرعها فأدارت لهم ظهرها متعالية، منهكة، عاجزة، لا مبالية.


Commentaires


0 de 0 commentaires pour l'article 221134