تونس والتجربة المصرية.. زاوية فكرية

<img src=http://www.babnet.net/images/9/avenueaujoyrdhio.jpg width=100 align=left border=0>


مهنا الحبيل
الجزيرة نت







في ظل الأوضاع التي تعيشها المنطقة لما بعد الربيع العربي وحركة الحصار الشرسة التي تعرضت لها دوله, وأجواء المقاومة في داخل المُسقط منها أو الصامدة لبناء حياة دستورية تضمن الاستقرار الوطني والحريات المدنية مع حق تمسكها بالهوية العربية الإسلامية، تأكد دور البعد الخارجي الشرس المهاجم لحركة الربيع.

هذا البعد تحالف بقوة مع عناصر الفساد والدكتاتورية في عقود الخريف ذات الجذور العميقة، سواء في أنظمة الحكم العربية أو في ثقافة المجتمع وقدرات وعيه أمام برنامج إعلامي عنيف في رفض الرأي المعارض وموجّه ماليا لأهداف سياسية.

هذه المقدمة صدّرناها لتأكيد الوعي بعناصر التأثير على حركات التحرر العربي -خاصة الإسلامية- من خارجها، في مواجهة هذه التجارب ومبادرات التجديد السياسي للحياة العربية.

لكن المؤكد أن هذا البعد ليس الوحيد في استعراض التجربة السياسية، وأن البعد الذاتي داخل هذه الحركات وخزينة وعيها السياسي ومنظومة التفكير والعلاقات الاجتماعية بالحياة المدنية الشعبية والوطنية السياسية تحتاج قبل الربيع وبعده إلى مراجعات ضرورية في نقد ذاتها واستكمال وعي أساسيات التحول من الحزبية الدعوية إلى الحركة الوطنية.

وهذا لا يعني بالمطلق تحميل الضحايا من هذه الحركات أو المجتمعات الإسلامية مسؤولية بطش الدكتاتوريات العائدة وخطط المَحاور الإقليمية والدولية، ولكنها مادة رئيسية للوعي ولتجنب الحركة الإسلامية مواجهات تصرم جذور التحرر الوطني للشعب وللسيادة التي أُنجزت في مدارات الربيع وغيره، أو في مساحة الاستقرار الاجتماعي الذي يسعى خصوم الربيع العربي إلى تفجيره اليوم وليس الوطن السياسي فحسب.



هذه القاعدة من التفكير ببعدها العميق والهادئ في حوار العقل هي حاجة ذاتية للحركات الإسلامية, لها عدة أبعاد في إعادة فهم مصادر الوعي الإسلامي ومساحة الاجتهاد أمام التجارب السياسية وفق الأصول الشرعية المنضبطة المنتمية إلى آفاق التجديد لثروة الفقه الإسلامي في المغرب والمشرق.

وأيضا العودة بها إلى تسلسل حركة الإحياء الإسلامي وأطروحات المجددين المنتقاة، والتي عُزلت مصادرها العديدة لوعي منهاج أهل السنة بعد التقوقع في أيقونة الخطاب الدعوي ضيّق الأُفق أو هيمنة السلفية الطائفية على الخطاب الشرعي وإقصائها مدارس سنية غنية وواسعة الرأي.

هذا من جانب، والجانب الآخر هو كيف تصنع الحركة مشروعا وطنيا سياسيا عبر آليات العمل السياسي والاندماج المجتمعي، وكيف تقرأ تجربة حزب العدالة وشخصية أردوغان في هذا التجديد، وهو الذي يحظى بثناء كثير من الحركات الإسلامية في بلدان الوطن العربي، لكنها لم تطبق أساسيات التغيير التي انتهجها أردوغان وشركاؤه وعلاقته بالبعدين اللذين ذكرتهما آنفا.

وهذا لا يعني ضرورة تطابق التجارب والبلدان، ولا القطع بأن مشروع حزب العدالة وشخصية أردوغان لن يواجها أزمات ولا معضلات، لكن تظل هذه التجربة تحمل دروسا لم تعبر إليها هذه الحركات العربية التي تحتاج إلى مصارحات عميقة مع تفهّم وضع القمع الذي تواجهه، وحركة القتل والمطاردة، والتسليم بحقيقة الموقف العالمي من أي نهوض للشرق الإسلامي ودوله، والعلمانية التكفيرية والطائفية المتحالفة معه, لكن كل ذلك لا يلغي ولا يخفف من ضرورات النقد للخطاب والتجربة السياسية السابقة.

هذه الزاوية هي أهم المعالم في قراءة الموقف الذي اتخذته حركة النهضة التونسية مقابل تجربة الإخوان المصرية، ومن أهم ما يلفت نظر الباحث نزعة الغيرة أو التذمر التي اشتعلت في أوساط بعض شخصيات أو جمهور وأنصار التجربة المؤلمة للإخوان من مسار النهضة الذي انتهى إلى وقف عملية الانقلاب ونجاتها من استنساخ التفجير الاجتماعي الذي نفذه المشير السيسي في مصر بالتحالف مع القوى ذاتها.

إن هذه الروح التي تهمين عليها نزعة الغيرة أو خشية التفات الرأي العام أو النخبة المثقفة للمقارنة بين التجربتين -وبالتالي نقد الإخوان- لا يجوز أن تترعرع في روح أي مشروع وطني تقوده الحركات الإسلامية في الوطن العربي، وهي أخلاقية غير راشدة ونموذج نفس محتقنة لا يمكن أن تتلمس مواضع الخلل وتصححه.

وهذا لا يعني بالضرورة نجاح المشروع الوطني الاجتماعي للنهضة، فالتجربة أمامها صعبة وستعبر منعطفات خطيرة، ولربما لوحظ أن خطاب الشيخ راشد الغنوشي يحتاج إلى توازن الوجدان وإنصاف الحالة الإسلامية وحقوقها بوضوح أكبر.

هذا مع تقرير أن مبادرتها كانت ضمن سياق توافق وطني قَبِل بقواعد اللعبة لإنقاذ تونس رغم حقها في صناعة المشروع الديمقراطي برؤية النهضة الإسلامية وأفقها الحضاري وخوض التجربة السياسية وترك الشعب يحكم فيها.
ومع أن خطاب الشيخ راشد يطرح هذه الزاوية، إلا أنه يضعف كثيرا في التمسك بها ويغيّب حق الوجدان الإسلامي المؤمن بالشراكة الإنسانية وفكرتها الديمقراطية الذاتية المنصفة للمجتمع، والتي اتضح سموها على العلمانية العربية، وهو ما يركز عليه أردوغان بأنه ابن مدرسة الأئمة والخطباء وأنه يعبر إلى تركيا الديمقراطية بهذه الروح لكل إنسان في تركيا، وإقصاء الشيخ راشد أو النهضة للوجدان الإسلامي سيكلفهما كثيرا، ولن يُرضي عنهما العلمانية التكفيرية.

لكن الحكم على هذا الأمر مبكر، ولا تزال تجربة تونس غضة ولم يخفض سلاح الانقلاب إلا من أسابيع محدودة، ولذلك فإن تقييم ومراجعة موقف النهضة يقومان على هذا المخرج الذي قادته، وهو منع انزلاق تونس في حرب اجتماعية مسلحة يقودها الجيش كما جرى في مصر وحفظ التوازن والاستقرار للحياة الاجتماعية للشعب الخطر جدا غيابها على كل تونس وليس إسلامييها فقط.

إن النظرة هنا تقوم على مراجعة واقعية لما تملكه الحركة بيديها وما تملكه وفقا لعملية سياسية هشة، نعم أتت بخيار ديمقراطي لكن دون أي حماية لهذا الخيار الديمقراطي، وبالتالي هي سحابة صيف قد تتحول إلى ريح عاتية فتسقط الربيع فوق حكومة النهضة وبرلمان تونس ليكون نسيا منسيا.

والثاني هو أن النهضة تدخل -لو بقيت في الحكم- تحت مسؤولية الرصد والنقد والتحري الشرس لا الموضوعي الذي سيحمّلها تبعات كل فشل ولن ينسب إليها أي فضيلة تصل إليها ولو كانت تحت أهداب عينها.

أما العنصر الثالث فهو تجنب النهضة التفاعلات العنيفة لحصارها سياسيا ومجتمعيا، وتحريك مشاعر الشعب المغبون من التردي الاقتصادي أو أزمات المعيشة في الوقت ذاته الذي يُمنع عنها أي تعاون وتفتح أمامها حركة الإضرابات ويحرّض عليها الخارج، لأجل إفشال تجربتها وليس لمصالح وطنية أو نقابية.

ولربما كان هناك بعض النقد تجاه موقف حركة النهضة من مواد ذات علاقة بحق الشعب التونسي في هويته الإسلامية ومرجعتيها الدستورية التي تعطي المواطنة كامل حقها وتُبقي حدود الشريعة الكبرى كحق دستوري كباقي الأمم، لكن هذا السياق ينظر له في مدار حماية حرية الشعب والعمل المدني بمن فيهم الإسلاميون الذين لهم الحق في المشاركة السياسية والبناء الدستوري والسياسي للمؤسسات بعد الفترة الانتقالية، وشرح مضامين الفكر الاسلامي للدولة والمجتمع الذي شُوّه في عقول شرائح بأنه حدود مقطوعة ومعزولة عن حق الشعب الاجتماعي والسياسي والاقتصادي ومساحة حرياته الفردية، دون أن يعني ذلك تشريعا قانونيا للنيل من الإسلام ورموزه.

وهذه المعادلة الصعبة/السهلة تحتاج إلى عمل فكري وتوعية وشراكة سياسية في الدولة تضمن حماية حق المجتمع الانتخابي دون تعرضه لحصار يحصده ويحصد حقه الوطني، ويهدّئ تلك الحملات العنيفة التي تخلط الأوراق على كل مفهوم إسلامي وتستدعي نماذج مشوهة وتلصقها به، أو على الأقل تفويت الفرصة لاصطياده، في حين لم ولن تضمن مواد تفصيلية في تطبيق الشريعة بمفهوم فقهي لفظي حقا أساسيا هو حرية الشعب وكرامته وحكمه بالسيادة التي يرتضيها فينسف الدستور وصوت الشعب كما جرى في مصر.
وهو ما يستدعي قضية موقف قطاع من سلفيي مصر صعّدوا على الإخوان والرئيس مرسي وخضع لهم الإخوان في خطاب تطبيق الشريعة بالمفهوم والمصطلح الخاص بهم، ثم نفضوا اليد منهم وشاركوا العسكر في شرعنة إقصائهم.

إن عودة أردوغان إلى إحياء المفاهيم والوجدان الإسلامي والتضامن مع الشرق جنبا إلى جنب مع الحق المدني والسياسي للمواطن يشرح هذا البعد، والقول إن القبول بدستور توافقي لا يقصي الشريعة ولا يتضمن نصوصا قد يكون من حق الشعب إقرارها، لكنّ هناك التباسا في فهم الناس لها، هو مجافاة للشريعة وظلم كبير.

ففقه العبور بالإرادة السياسية للأمة أو الشعب مدار فتوى لا ينظر لها بهذا الأفق المحدود، وقد يُرفع تطبيق الشريعة كشعار وتذبح شعائر الإسلام في الحقوق والسيادة تحت ردائه.

في كل ذلك، فإن النهضة عبرت من وضع صعب للغاية وحرج، وأمامها مرحلة مهمة تحتاج إلى هذا الوعي اليقظ والموازنات الدقيقة لإقامة تونس الحرة الجديدة، بخطاب الحقوق الوطنية للجميع ووجدان الضمير الإسلامي الرشيد.



Comments


4 de 4 commentaires pour l'article 80727

Wildelbled  (United States)  |Jeudi 27 Février 2014 à 18:55           
ففي تونس الشعب كله متعلم ولو إلى حد ما ولذلك يصعب استدراجه بينما أشقاؤنا في مصر كان الله في عونهم نسبة كبيره من الشعب غير متعلمه ثم لا تنسى الإنتماء الجغرافي وووو

Dorra  (Italy)  |Jeudi 27 Février 2014 à 18:54           
Aljazeera est la première qui a incité les égyptiens à la Fitna et à la guerre civile et le qatar est le premier sponsor du terrorisme islamiste qui nous frappe et qui frappe nos peuples frères en Syrie, en égypte et en Irak.

Wildelbled  (United States)  |Jeudi 27 Février 2014 à 18:47           
لا يمكن أن تقع مقارنة تجربة تونس بتجربة مصر الشقيقه وذلك لأسباب عده من أهمها تونس كشعب يعتبر بنسبة أكثر بكثير مسلم بينما مصر فيها خليط كبير من أقبا وكاتوليك وأرتذوكس هذا من ناحية العدد لكن تأثير الأز ر المعمور بعلمائه قوي جدا لا في مصر فقط بل في جميع أركان الأرض وهنا يأتي دور المواطن المتعلمففيتونسكلالشعبمتعلمإلىحدماتقريبابينن

MSHben1  (Tunisia)  |Jeudi 27 Février 2014 à 16:40           

ثوراة الربيع العربي بدأت ثوراة اسبابها الجذرية هي الكرامة و الشغل و نتاجها شرعيات اسلامية هنا و هناك . لكن المعضلات و الارتدادات التي حصلت بكل من تونس و بمصر و لربما بليبيا اساسه سببين اثنين - الاول حكام اسلاميون شرعيون و لكن يفتقرون للتجربة و للحق و للعدل في الداخل و رعوانيين و متجلطمين في الخارج اي هم لم يحصنوا ثورات الربيع و راحوا يتجلطمون على سوريا و على الغرب و حتى على كامب دفيد . انهم لا ذكاء و لا يحزنون انهم حقا عرب دراويش و متخلفون .
فاغظبوا الداخل بتحزبهم فهذا مني و ذاك ليس مني عوض المساواة التامة بين المواطنين عربا و يهودا و نصارى فالعامل الواجب اتباعه هو الكفاءة و الحرفية و العدل و الاعتدال . و فجروا على انفسهم الخارج الذي كان يراقبهم ثم لما تجلطموا دار عليهم . ببساطة انهم سذج و دراويش و متخلفين و لا حكمة و لا ذكاء و لا يحزنون . النهضة التونسية تعتبر هي قيدومة الاعتدال و الوسطية و لها رجل حكيم و لها طاقات ذكية فكان الخروج بسلام بل وكانت فوائد ذلك جمة لصالح النهضة و هذا
سيترجم في الانتخابات القادمة بحول الله . لقد خرجوا من الحكم و تركوا اهل البلاء في بلائهم. الشيء الثاني الذي هلك الثورات العربية هو تخلف شعوبها فظهروا على حقيقتهم التي كانت مطموسة بقوة الحديد و النار فكانوا انانيين و متحزبين و مذهبيين و عنصريين و ارهابيين و مجرمين و قطاع المعامل و المصانع و الطرق و حراقين للعام و للخاص و نهابين و مهربين و تجارا مشطين و عمالا كسالى و فنيانين و مظربين و هم شياطين الانس على ارجلهم يدبون فهلكوا انفسهم و هلكوا ثوراتهم
ضنا منهم ان الثورات ستقول كن فيكون و لكن البلهاء لا يعمون ان هذه الخاصية هي فقط لله الواحد الاحد .

انا mshben1 خبير الاستراتيجيين و تقني التقنيين و عالم الحياة و الدين ديمقراطي الديمقراطيين و اسلامي الاسلاميين و حقاني الحقانيين مستعمل العقل و العلم و العمل لفائدة الوطن و الدين ابخر بالعلمانيين الاغبياء عملاء الغرب و المنفصمين و ابخر بالارهابيين الوهابيين الجهلة و المتخلفين و السذج الصعاليك و المارقين و هم في ما بينهم يقتتلون و هم لبني جلدتهم قتالين و ذباحين . الا ساء ما يفعلون . الا ساء ما يزرون .




babnet
All Radio in One    
*.*.*
Arabic Female