Tribune

لمن نشكو ماَسينا..؟‎



Mardi 11 Septembre 2012
الناصر الرقيق

كثيرة هي الماَسي التي عانينا منها و لازلنا في بلادنا و ذلك نتيجة عدة أسباب يطول شرحها لكن أعظم هذه المصائب التي أبتلينا بها هي عمليات القتل الجماعي أو الإنتحار مدفوع الأجر في قوارب الموت التي تقلّ شبابنا الباحث عن الأمل المفقود في بلاده إلى بلاد المال و الأحلام بلدان الشمال الجميلة كما تم تصويرها لنا منذ نعومة أظافرنا بدءا من حكايات الجدود عن عملهم مع الفرنسيين زمن إستعمارهم لبلادنا وصولا إلى حديث المعلم في المدرسة عن البلدان المتقدمة و سبّه و لعنه لبلادنا التي بقيت متخلفة دون أن يذكر لنا من جعلها تبقى على هذه الحالة ربما كان الإفصاح بالحقيقة مجلبة للمتاعب لذلك كان الإتّهام لا يوجّه للمجرم الحقيقي إضافة لحديث العائدين من بلدان أروبا كل صيف عن عيشتهم الكريمة في مواطن إقامتهم و مظاهر الفخفخة البادية عليهم.
إن مئات الضحايا ممن إختاروا الرحيل و مغادرة الوطن عن طيب خاطر تلقفتهم أمواج البحر الأبيض المتوسط فكان أغلبهم إمّا قتلى أو مفقودين و لعلّ حادثة "لمبيدوزرا" الأخيرة إنما هي واحدة من الحلقات في سلسة مازالت لها الكثير من الحلقات الأخرى فبعد هذه الفاجعة هبت كعادتها المعارضة في بلدنا للمزايدة على الحكومة و إتهامها بالتراخي في التعاطي مع الموضوع في حين ردت الحكومة بالقول أنها ليست المتسبب في هذه الكارثة و بعيدا عن هذه التجاذبات السياسية فإن الوضعية تحتاج لوفقة تأمل و تحليل عميق لما يحصل عندنا.
فظاهرة الهجرة السريّة أو كما تسمّى شعبيّا "الحرقة" ليست بالجديدة فهذه الحكومة و غيرها من الحكومات القادمة لم و لن يقدروا على إيقافها نظرا للعديد من الأسباب أهمّها اليأس المستشري في نفوس الكبار و الصغار في بلادنا و هذا لا تتحمله هذه الحكومة أو التي ستأتي بل هذا نتاج لخمسين سنة من الإستقلال المزيف الذي لم يحقق لهذا الشعب ما أراده و لم يجلب له غير ديكتاتورية بغيضة أهلكت الحرث و النسل في هذا البلاد كما أنه من بين الأسباب التي جعلت الكلّ يعتقد أن الغرب هو الجنة الموعودة سياسة التغريب التي أعتمدها نظام بورقيبة و خلفه المخلوع حيث كانت مناهج التعليم تصور دائما الغرب المتفوق بإنجازاته و إختراعاته و تغفل عوراته الإجتماعية و مشاكله الأخلاقية التي أدت إلى إنهيار المنظومة القيميّة لديه كما أن نخبنا عاشقة الغرب كانت دائما تصور لنا الغربّي على أنه هو السيد نظرا لتفوقه علينا و هذا ما لاحظناه من خلال الأفلام السينمائية أو الإنتاج الأدبي و ما ينفك أحدهم إلا و يتباهى بما وصل إليه الغرب من تقدم و تطور و حضارة ثم يعود ليذمّ لنا كل ما هو موروث حضاري لدينا سواء كان عربيا أو إسلاميا ليشعرنا أنه لا قيمة لنا أمام هذا الإنسان الغربي العصري و لتلاحظوا معي أن أغلب نخبنا تتكلم الفرنسية بل هناك منهم من لا يحذق غيرها من اللغات أما العربية فقد تركوها للمتخلفين من أمثالي ثم يأتوا إلى أستوديوهات التلفزة ليناقشوا الأسباب التي تدفع بالشباب للهجرة في رحلة محفوفة بالمخاطر و نسوا أنهم هم السبب الرئيسي.
فالشباب الذي يركب البحر مهاجرا هو ضحيّة هذه النخب المنبتّة التي دائما ما صورت له أن الغرب هو جنة الخلد حيث هناك النعيم المقيم نعيم المال و نعيم الحرية و نعيم العيش الكريم و لم تحدثه عن جحيم الإجرام و جحيم المخدرات و جحيم مافيات تجارة الأعضاء و جحيم الدعارة فقط لأنها لم تؤمن يوما بأن هذا الوطن محتاج لكل شبابه و شاباته فقد كانت دائما ترينا من الغرب إلا ما تريده هي لنا أن نراه و إذا ما تجاوزنا مرحلة عبور البحر بقليل و نجا المبحر من الغرق و وصل سالما إلى وجهته فبماذا تراه سيعود للنظر قليلا لشبابنا و شاباتنا الذين يعودون من الغرب تجد الكثير منهم يأتونا بأمراض معدية و بإسهلاك للمخدرات و ماَس لا حصر لها هذا إن قدّر لهم العودة طبعا.
إن المشكلة أعمق من مجرد مجموعة من الشباب الذي يمطي زورقا لعبور البحر نحو الضفة الأخرى فالمشكلة مشكلة إنتماء لهذا الوطن حيث لم يعد هناك شعور بالإرتباط بتونس نتيجة مناهج تعليم مشوهة و نتيجة نخب منبتّة و نتيجة إحباط مزمن يشعر به الجميع و نتيجة إنقلاب المفاهيم و تغيّر معايير التصنيف حيث لم يعد للعلم أو الصدق أو الأمانة أيّة قيمة أمام المال فصاحب هذا المال هو المحترم وهو المبجّل فكيف إذن سيقبل الشاب على بلاد جعلت شعارها الأول البطالة و الفقر و الحرمان لكل من تعلّم أو أنهى دراسته فشباب اليوم لم يعد يرى في تونس الوطن الذي يحقق الأحلام و الطموحات و كثيرا ما دخلت في نقاشات مع بعضهم الذين يقولون دون خجل نعم فرنسا هي بلادنا بل فيهم من يسميها "لمّيمة الحنينة" هكذا ببساطة شديدة و يقول ماذا فعلت لي بلادي و ماذا أعطني بل قد يذهب أكثر من ذلك ليقول لي ها أنت قد أتممت دراستك منذ زمن ماذا جنيت غير البطالة و لو لم يكن لك من الأهل من هم في فرنسا لكنت لا تجد حتى ما تأكله عندها أسكت و لا أجد الجواب الذي ربما أحاول به إجابة نفسي قبل مخاطبي.

أنا شخصيّا أقطن قرية من قرى تونس الجبيبة و هذه القرية تقريبا أغلب سكانها من المهاجرين في فرنسا حيث أنك حين تزورها تلاحظ أن حديث الجميع فيها غالبا ما يكون عن كيفية الخروج من تونس نحو فرنسا و هذا في إعتقادي أراه طبيعيا نظرا لأن الشاب الذي يرى أن من درس و أجتهد و أتمّ دراسته و تخرّج بقي عاطلا عن العمل مثلي و في أحيان كثيرة لا يملك ثمن قهوة في حين أن من غادروا القرية نحو أروبا عادوا بأموال كثيرة و بسيارات فاخرة لا يقدر على إمتلاكها حتى أكبر المسؤولين في البلاد إذن لم أعد أمثّل لهذا الشباب مثالا يقتدوا به في حين أن أصدقائي الذين غادورا مقاعد الدراسة و توجهوا نحو أروبا أصبحوا هم القدوة و المثال الناجح الذي يحتذى به.
أظن أن ماَسي "الحرقة" لن تتوقف على الأقل في المدى القريب و إذا ما أردنا أن نعالج هذه المشكلة علينا أن نشخص أسبابها أولا و أن ننظر إليها في عمقها التاريخي و الحضاري و أن نبدأ بمعالجتها معالجة جذريّة من خلال أمرين يتمثل الأول في العمل على إصلاح منظومة التربية و التعليم من خلال التركيز و الإهتمام بتكريس الإنتماء لهذا الوطن و الإرتباط به من خلال تنمية الروح الوطنية لدى الناشئة بشكل يجعل الفرد يقدّم مصلحة الوطن و المجموعة على مصلحته الخاصة و الثاني من خلال العمل على مراجعة منوال و سياسة التنمية المعتمدة و ذلك بالتركيز على المناطق الداخليّة و المحرومة و التي تعاني أكثر من غيرها من مشكلة هجرة شبابها بقيت الإشارة إلى أن السلطة الحاكمة و السلط المعنية يجب عليها الضرب بيد من حديد على أيدي شبكات الأجرام التي إختصّت في تنظيم عمليّات الهجرة السريّة و عليها أيضا فتح تحقيقات داخليّة لأنّ هناك العديد من المعلومات التي تشير إلى أنّ من بين محترفي تنظيم عمليات الهجرة الغير مشروعة موظفون لدى الدولة في مختلف الأجهزة و دعونا نتكفي بهذا الكلام حتى لا نقول أكثر فإذن لمن نشكو ماَسينا؟


          Partager  Share on Google+      
Om Kalthoum   Ya Msaharni





2 de 2 commentaires pour l'article 54094

ECHOUHADA  (Tunisia)  |Mercredi 12 Septembre 2012 à 22h 39m||           
Ils y immigrent parce qu'ils trouvent la dignité et jouissent de leurs droits quelque chose qu'on ne trouve pas chez les arabes.

Swigiill  (Tunisia)  |Mardi 11 Septembre 2012 à 15h 29m||           
‫"اتحبوني نغطس في البحر انلوجلكم عليهم"
هذه جملة السبسي الشهيرة التي قالها في خطابه في مارس 2011 بعد ما 55 ألف شاب تونسي حرقو منهم 2200 مفقود و 550 غرقو ! وقتها ما تكلّم حتى حد و توّة ، الأعتقِنوسْ متاعو هي لي تتكلّم مزايدات سياسية لا أكثر و لا أقلّ .لكن بماذا ؟ بأرواح الناس ماهذا العهر ؟ وينها الأنسانية الي تحكيو عليها بنسبة ليكم الروح البشرية هي مجرد صوت فالصندوق الا لعنة الله عليكم
اما ظاهرة الحرقة ليست بجديدة و الحل الوحيد هو تكاتف الجهود بين الحكومة لتوفير شغل و بين الشباب للبحث عن شغل و عدم التقاعس .
لكن حاجة وحدة قعدت باهت فيها صفحات التجمع فجأةً أصبحت تفكر في الشباب بعد خلع ربهم بن علي و نظامهم الفاسد سبب النكبة و الإنحطاط في هذه البلاد‬



Les Commentaires en arabe avec caractères latins seront automatiquement supprimés


En continu
Indicateurs Banque Centrale de Tunisie


  TUNINDEX: 4684.04
Tunis



NOS PARTENAIRES




Derniers Commentaires