مسرحية ''منطق الطير'' للمخرج نوفل عزارة: جرأة في الطرح وبراعة في الإخراج في رحلة البحث عن المعنى والخلود

Publié le Jeudi 26 Decembre 2019 - 16:02
قراءة: 2 د, 36 ث

وات - عن نص "منطق الطير" للشاعر الفارسي فريد الدين العطار، أبى المخرج نوفل عزارة إلا أن يتجرّأ على الخوض في غمار هذا النص الشعري الروحاني المعقّد، ويُخرجه في عمل مسرحي يحافظ فيه على العنوان الأصلي "منطق الطير"، ويأخذ من خلاله الجمهور في رحلة البحث عن المعنى والخلود.
تدور أحداث "منطق الطير"، وفق القصة الأصلية لكاتبها فريد الدين العطار، حول رحلة مجموعة من الطيور بحثا عن طائر "السيمرغ" الذي يرمز إلى الخلود والكمال والجمال والسلطان.
واختارت الطيور "الهدهد" ليكون قائدهم ومرشدهم في الطريق إلى "السيمرغ"، فتمرّ أثناء الرحلة بعديد العوائق والمشقات وطرح أسئلة وجودية محيّرة، وفي كلّ مرّة يتدخل "الهدهد" لحثهم على السير والمضي في رحلة البحث عن المعنى التي تستوجب المرور تباعا من أودية الطلب فالعشق فالمعرفة فالاستغناء فالتوحيد ثم الحيرة وأخيرا الفناء والبقاء.


فتموت في هذه الرحلة طيور عديدة ولا يصل إلى النهاية إلا 30 طائرا ليكتشفوا أن طائر "السيمرغ" الخالد ما هو إلا انعكاس لصورهم هم.

ولتجسيد أحداث "منطق الطير"، اختار المخرج نوفل عزارة أن يكون ضمن الفريق المؤثث للعمل على الركح وهم آمال العيوني وثريا بوغانمي وأحمد الدريدي وسفيان بوعجيلة واسكندر براهم.
وتمّ تقديم العرض الأول لهذه المسرحية، مساء اليوم الأربعاء بفضاء التياترو، بحضور جمهور عريض من أهل الفن الرابع.

إنّ أوّل ما يستوقف المتفرّج في المسرحية هي طرافة الخصائص الفنية المميزة لها، فالسينوغرافيا ساهمت في تشكيل جمالية مشهدية وبصرية من خلال تقنية الإنارة أولا، التي لعبت وظيفة تحديد المكان والانتقال بالمشاهد من مكان إلى آخر.

وهذه الأماكن بدت غرائبية عجائبية خارجة عن المألوف وعن نطاق العقل (وادي الحيرة، ودي المعرفة، وادي الاستغناء، التحليق في السماء).
وقد تميّزت الإضاءة في أغلب ردهات العرض بالانغلاق على الركح وحصر الممثلين في أمكنة ضيقة، أحسن المخرج توظيفها للدلالة على الانغلاق وضيق المكان وظلمته، ولتوظيفه أيضا لسياق العمل بما هو رحلة في العالم الصوفي الذي يعتقد أن الجسد هو سجن للروح يتعيّن التخلص منه لتحريرها وبلوغ الحقيقة.

ويدلّ هذا التنوع في المكان الذي سطرته الإضاءة على حالات الفزع والتيه والضياع وهي مواقف سكنت الشخصيات التي عبّرت عن التمزّق وحالة التخبّط التي تسكنها من خلال التعبيرات الكوريغرافية، وهذه التعبيرات الكوريغرافية كانت حركاتها متناسقة تارة ومشتتة طورا خدمة للبناء الدرامي في المسرحية وللقضايا المطروحة في هذا العمل.
ولم يكن المكان وحده رمزيّا ولا الإضاءة أيضا، بل إن أسماء الشخصيات بدورها اكتست بُعدا رمزيا، فشخصية "طائر الهدهد" مثلا التي جسدها نوفل عزارة هي شخصية عارفة تستدل بها بقية الطيورعلى المكان، مثلما ورد اسمه في القرآن الكريم على لسان النبي سليمان، مما يخدم المنحى الصوفي للمسرحية.

وخدمت اللغة العربية الفصحى التي كُتب بها نص المسرحية هذا التوجّه العام للعرض في صوفيته وروحانيته، كما ساعدت اللغة الشعرية على الارتحال في بواطن الشخصيات الساعية للبحث عن المعنى المنشود وتحقيق كينونتها. وساهم الشعر أيضا في تعميق المعنى وتجاوز العالم الأرضي للتحليق في العالم السماوي.

إن أحداث هذه المسرحية المقتبسة عن نص "منطق الطير" لفريد الدين العطار الذي كتبه في القرن السادس للهجرة، تحمل في مضمونها تلميحا للواقع التونسي الحالي، وهو واقع يشبه "ترحال" الطيور التي تبحث عن سلطان دائم وخالد.
فالواقع التونسي هو "رحلة" في الانقسام والتشتت الحزبي والإيديولوجي بعد 2011، ومازالت الثورة تبحث عن معناها وعن تحقيق أهدافها وسط هذا الانقسام السياسي والايديولوجي.