تفسير سورة النبأ للعلامة يوسف القرضاوي
Dimanche 29 Juillet 2012
من تفاسير القرآن الحديثة في العالم الإسلامي
هذه السورة: تسمى سورة (النبأ), أو سورة (عم), أو سورة (عم يتساءلون), وهي مكية بالإجماع, يدل على ذلك موضوعها وأسلوبها. ومعنى أنها مكية، أنها نزلت في الفترة التي كانت قبل الهجرة إلى المدينة.
{عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النبأ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5)}
تبدأ السورة بطرح هذا السؤال أو الاستفهام: {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ} أي عن أي شيء يتساءلون؟! والتساؤل تفاعل من السؤال, أي يسأل بعضهم بعضا عنه, بمعنى أنه أمر شغلهم عن غيره, فبات يسأل بعضهم بعضا عنه.
والميم في (عم) أصلها (ما) الاستفهامية, حذفت ألفها تخفيفا, كما تحذف بعد حروف الجر, مثل (لم) (فيم) و (إلام) وفي بعض القراءات إثباتها (عما).
وضمير الجمع في (يتساءلون) يعود إلى المشركين في مكة, وإن لم يكن لهم ذكر فيما سبق, ولكنهم حاضرون وإن غابوا, فالمعركة معهم مستمرة, منذ أعلن محمد صلى الله عليه وسلم أنه رسول الله إليهم خاصة، وإلى الناس كافة.

وبعض المفسرين يقولون: إن الضمير في (يتساءلون) للمشركين وللمسلمين, وأرجح أنه للمشركين وحدهم, لأن المسلمين لم يشاركوا في هذا التساؤل, كما أنهم لا ينطبق عليهم الوعيد الذي ذكره الله في شأن المتسائلين: {كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ} [النبأ: 4-5].
{عَنِ النبأ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ} والنبأ كما يقول أهل اللغة: الخبر الذي له شأن, فإذا وصف بأنه (عظيم) بالتنكير, فقد أصبح ذا خطر, فكيف إذا عُرِّف بـ (أل) وأنه (النبأ العظيم)؟!
أي نبأ هذا الذي بات الشغل الشاغل للقوم يتساءلون عنه: أصدق هو أم كذب؟ حق أم باطل؟ يقين أم ظن لا يغني من الحق شيئا؟
اتفق كثير من المفسرين على أنه (البعث بعد الموت) الذي أنكره أهل مكة, ومعهم سائر العرب, وقالوا: {أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا} [الإسراء:49], {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس: 78].
ودل على صحة هذا القول أنه سبحانه وتعالى، بدأ يرد بعدها عليهم ببيان مظاهر قدرته، التي تبين بوضوح قدرته على إعادة الخلق, فهو أهون من بدئه: وذلك في قوله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا} [النبأ: 6- 8], إلى آخر الآيات في السياق, وسنتحدث عنها قريبا.
وهناك من مال إلى أن (النبأ العظيم):هو (التوحيد) الذي نقض أساس دينهم الأول وهو الشرك, أو الوثنية التي ورثوها عن آبائهم, حتى قالوا: {أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5]. وذهب بعض المفسرين إلى أن النبأ العظيم هو: القرآن الكريم، أو أنه نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وما نزل عليه من وحي.
والذي يترجح لي هنا من خلال تدبري للقرآن, وربط بعضه ببعض, أن النبأ العظيم الذي يتساءلون عنه هو: الوحي الذي أنزله الله على محمد, ومنه: القرآن الكريم، فهو أعظم ما أوحى ربه إليه، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} [الشورى:52]، {بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ} [يوسف:3]. وفيه أعلن عقيدة التوحيد ونبذ الشرك, كما أعلن عقيدة البعث ومن ورائه الجزاء والحساب والثواب والعقاب.
وقد قال الله في سورة (ص): {قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ * قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ} [ص: 65- 68].
فهذا النبأ العظيم هو الوحي الذي أرسله الله به بشيرا ونذيرا, وبه دعا إلى التوحيد وإلى البعث, كما قال تعالى: {بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} [ق: 2- 3].
وهو الذي حكاه القرآن عنهم حين قال: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا} [يونس: 2].
وهو الذي عجب منه أقوام الرسل من قبل، من عهد نوح الذي عجب قومه من رسالته لهم, فرد عليهم بما ذكره القرآن: {أَوَ عَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 63].
وكذلك كان قوم هود من بعده الذين رددوا ما قاله قوم نوح, فقال لهم: {أَوَ عَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ} [الأعراف: 69].
وهذا هو النبأ العظيم الذي اختلفوا فيه, وفي حقيقة من جاء به, فقالوا: كاهن, وقالوا: شاعر, وقالوا: ساحر, وقالوا: مجنون, وقالوا عن القرآن: {أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفرقان: 5].
وقالوا: {إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النحل: 103].
ويصف القرآن حيرتهم وترددهم عن حقيقة محمد وما جاء به من وحي: {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ } [الأنبياء: 5].
وفي مقام آخر قال تعالى مبينا تناقض مواقفهم, وعدم ثباتهم على أمر موحد, فقال سبحانه: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} [سبأ: 43].
فهكذا نرى شدة اختلافهم في شأن الوحي إلى محمد، وإرساله من الله تعالى إليهم، على حين نراهم متفقين على موقفهم من البعث, فهو موقف الإنكار والاستبعاد {وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} [الأنعام: 29], {وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا} [الإسراء: 49], {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ * أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ} [سبأ: 7- 8].
فمن بواعث عجبهم واستغرابهم من بعثته: ما جاءهم من أمر بعث الموتى من قبورهم، بعد أن رمَّت أجسادهم وتفتت, ومُزقت كل ممزق!
وقد رأيتُ بعض المفسرين قد اختار أن النبأ العظيم هو القرآن أو نبوة محمد عليه الصلاة والسلام, ومنهم من رجح أنه البعث بعد الموت على المشهور, وهو ما لم نرتضِهِ رأيا.
وقد ألف شيخنا العلامة الدكتور محمد عبد الله دراز كتابه عن القرآن سماه: (النبأ العظيم) مما يشير إلى أنه اختار ما اخترناه هنا.
{كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ( 4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5)} كلا: حرف ردع وزجر, ولهذا اختص به القرآن المكي, ولم تعرف في النصف الأول من القرآن.
وفي سورة العلق: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6-7], {كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ} [العلق: 15].
والفعل المضارع المتعدي في (سيعلمون) نزل منزلة اللازم, كما في قوله تعالى: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9] إذ لا يقصد معلوما معينا, فكأنه يقول: سينكشف عنهم الغطاء, وتتجلى لهم الحقائق, ويعرفون الأمور كما هي.
وعبَّر بالسين لا بـ(سوف) لأن السين للمستقبل القريب, وسوف للمستقبل البعيد, وكأنه يقول: إن حقيقة هذا النبأ العظيم ستتجلى لكم عن قريب, وتعرفون أن محمدا هو رسول الله حقا, وأن القرآن منزل عليه من الله تعالى, وسيؤيده بنصره، ويُعلي كلمته، كما قال سبحانه: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا} [النمل: 93] {سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت: 53].
وكرر الجملة لتكرير الوعيد, على غرار ما جاء في القرآن من مثل قوله تعالى: {أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى} [القيامة: 34-35], وقوله: {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ} [التكاثر: 3-4].
وإذا لم يظهر لكم هذا في الدنيا، فسيظهر في الآخرة، وما أقربها! {وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} [النحل:77].
هذه السورة: تسمى سورة (النبأ), أو سورة (عم), أو سورة (عم يتساءلون), وهي مكية بالإجماع, يدل على ذلك موضوعها وأسلوبها. ومعنى أنها مكية، أنها نزلت في الفترة التي كانت قبل الهجرة إلى المدينة.
{عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النبأ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5)}
تبدأ السورة بطرح هذا السؤال أو الاستفهام: {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ} أي عن أي شيء يتساءلون؟! والتساؤل تفاعل من السؤال, أي يسأل بعضهم بعضا عنه, بمعنى أنه أمر شغلهم عن غيره, فبات يسأل بعضهم بعضا عنه.
والميم في (عم) أصلها (ما) الاستفهامية, حذفت ألفها تخفيفا, كما تحذف بعد حروف الجر, مثل (لم) (فيم) و (إلام) وفي بعض القراءات إثباتها (عما).
وضمير الجمع في (يتساءلون) يعود إلى المشركين في مكة, وإن لم يكن لهم ذكر فيما سبق, ولكنهم حاضرون وإن غابوا, فالمعركة معهم مستمرة, منذ أعلن محمد صلى الله عليه وسلم أنه رسول الله إليهم خاصة، وإلى الناس كافة.

وبعض المفسرين يقولون: إن الضمير في (يتساءلون) للمشركين وللمسلمين, وأرجح أنه للمشركين وحدهم, لأن المسلمين لم يشاركوا في هذا التساؤل, كما أنهم لا ينطبق عليهم الوعيد الذي ذكره الله في شأن المتسائلين: {كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ} [النبأ: 4-5].
{عَنِ النبأ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ} والنبأ كما يقول أهل اللغة: الخبر الذي له شأن, فإذا وصف بأنه (عظيم) بالتنكير, فقد أصبح ذا خطر, فكيف إذا عُرِّف بـ (أل) وأنه (النبأ العظيم)؟!
أي نبأ هذا الذي بات الشغل الشاغل للقوم يتساءلون عنه: أصدق هو أم كذب؟ حق أم باطل؟ يقين أم ظن لا يغني من الحق شيئا؟
اتفق كثير من المفسرين على أنه (البعث بعد الموت) الذي أنكره أهل مكة, ومعهم سائر العرب, وقالوا: {أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا} [الإسراء:49], {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس: 78].
ودل على صحة هذا القول أنه سبحانه وتعالى، بدأ يرد بعدها عليهم ببيان مظاهر قدرته، التي تبين بوضوح قدرته على إعادة الخلق, فهو أهون من بدئه: وذلك في قوله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا} [النبأ: 6- 8], إلى آخر الآيات في السياق, وسنتحدث عنها قريبا.
وهناك من مال إلى أن (النبأ العظيم):هو (التوحيد) الذي نقض أساس دينهم الأول وهو الشرك, أو الوثنية التي ورثوها عن آبائهم, حتى قالوا: {أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5]. وذهب بعض المفسرين إلى أن النبأ العظيم هو: القرآن الكريم، أو أنه نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وما نزل عليه من وحي.
والذي يترجح لي هنا من خلال تدبري للقرآن, وربط بعضه ببعض, أن النبأ العظيم الذي يتساءلون عنه هو: الوحي الذي أنزله الله على محمد, ومنه: القرآن الكريم، فهو أعظم ما أوحى ربه إليه، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} [الشورى:52]، {بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ} [يوسف:3]. وفيه أعلن عقيدة التوحيد ونبذ الشرك, كما أعلن عقيدة البعث ومن ورائه الجزاء والحساب والثواب والعقاب.
وقد قال الله في سورة (ص): {قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ * قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ} [ص: 65- 68].
فهذا النبأ العظيم هو الوحي الذي أرسله الله به بشيرا ونذيرا, وبه دعا إلى التوحيد وإلى البعث, كما قال تعالى: {بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} [ق: 2- 3].
وهو الذي حكاه القرآن عنهم حين قال: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا} [يونس: 2].
وهو الذي عجب منه أقوام الرسل من قبل، من عهد نوح الذي عجب قومه من رسالته لهم, فرد عليهم بما ذكره القرآن: {أَوَ عَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 63].
وكذلك كان قوم هود من بعده الذين رددوا ما قاله قوم نوح, فقال لهم: {أَوَ عَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ} [الأعراف: 69].
وهذا هو النبأ العظيم الذي اختلفوا فيه, وفي حقيقة من جاء به, فقالوا: كاهن, وقالوا: شاعر, وقالوا: ساحر, وقالوا: مجنون, وقالوا عن القرآن: {أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفرقان: 5].
وقالوا: {إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النحل: 103].
ويصف القرآن حيرتهم وترددهم عن حقيقة محمد وما جاء به من وحي: {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ } [الأنبياء: 5].
وفي مقام آخر قال تعالى مبينا تناقض مواقفهم, وعدم ثباتهم على أمر موحد, فقال سبحانه: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} [سبأ: 43].
فهكذا نرى شدة اختلافهم في شأن الوحي إلى محمد، وإرساله من الله تعالى إليهم، على حين نراهم متفقين على موقفهم من البعث, فهو موقف الإنكار والاستبعاد {وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} [الأنعام: 29], {وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا} [الإسراء: 49], {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ * أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ} [سبأ: 7- 8].
فمن بواعث عجبهم واستغرابهم من بعثته: ما جاءهم من أمر بعث الموتى من قبورهم، بعد أن رمَّت أجسادهم وتفتت, ومُزقت كل ممزق!
وقد رأيتُ بعض المفسرين قد اختار أن النبأ العظيم هو القرآن أو نبوة محمد عليه الصلاة والسلام, ومنهم من رجح أنه البعث بعد الموت على المشهور, وهو ما لم نرتضِهِ رأيا.
وقد ألف شيخنا العلامة الدكتور محمد عبد الله دراز كتابه عن القرآن سماه: (النبأ العظيم) مما يشير إلى أنه اختار ما اخترناه هنا.
{كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ( 4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5)} كلا: حرف ردع وزجر, ولهذا اختص به القرآن المكي, ولم تعرف في النصف الأول من القرآن.
وفي سورة العلق: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6-7], {كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ} [العلق: 15].
والفعل المضارع المتعدي في (سيعلمون) نزل منزلة اللازم, كما في قوله تعالى: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9] إذ لا يقصد معلوما معينا, فكأنه يقول: سينكشف عنهم الغطاء, وتتجلى لهم الحقائق, ويعرفون الأمور كما هي.
وعبَّر بالسين لا بـ(سوف) لأن السين للمستقبل القريب, وسوف للمستقبل البعيد, وكأنه يقول: إن حقيقة هذا النبأ العظيم ستتجلى لكم عن قريب, وتعرفون أن محمدا هو رسول الله حقا, وأن القرآن منزل عليه من الله تعالى, وسيؤيده بنصره، ويُعلي كلمته، كما قال سبحانه: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا} [النمل: 93] {سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت: 53].
وكرر الجملة لتكرير الوعيد, على غرار ما جاء في القرآن من مثل قوله تعالى: {أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى} [القيامة: 34-35], وقوله: {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ} [التكاثر: 3-4].
وإذا لم يظهر لكم هذا في الدنيا، فسيظهر في الآخرة، وما أقربها! {وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} [النحل:77].
0 de 0 commentaires pour l'article 52480
Les Commentaires en arabe avec caractères latins seront automatiquement supprimés
Dernières News
Indicateurs Banque Centrale de Tunisie

TUNINDEX:4604.22
Tunis

En continu
- Hier 22:14 عامر العريض لحمة الهمامي: تدعون الى
- Hier 22:10 حمة الهمامي : عادل العلمي بائع خضار
- Hier 22:04 مؤتمر مناهضة العنف: التلفزة الوطنية
- Hier 21:40 عبد الستار بن موسى يبرّر تهجّم أنصار
- Hier 21:33 حزب التحرير تونس ينظم وقفة احتجاجية
- Hier 20:58 Un incendie à Jebel Zaghouan détruit
- Hier 20:42 ألمانيا: 30 جمعية تونسية تنجح في ان
- Hier 20:39 Le ministre des Affaires étrangères
- Hier 20:33 Démarrage mercredi du projet de réa
- Hier 20:25 Abassi n'exclut pas la possibilité
- Hier 20:21 Tournoi de Wimbledon: Ons Jabeur éli
- Hier 19:07 Transfert de la station ferroviair
- Hier 19:03 UTICA: un comité de soutien pour déf
- Hier 18:50 تعيين يوم الجمعة 21 جوان للنظر في ف
- Hier 18:23 نجيب القروي: في تونس ... كل ما لونه
- Hier 18:15 La FTAV très préoccupée par les dép
- Hier 18:06 Jeux Méditerranéens: D'Alexandrie à
- Hier 18:03 Ennahdha, le CPR et cinq autres par
- Hier 18:00 Lancement du projet LOGISMED-TA: la
- Hier 17:57 Signature d'une convention tuniso-s
- Hier 17:52 Le ministre de la culture au chevet
- Hier 17:42 رئيس الجمهورية يتحادث مع الأمين العا
- Hier 17:33 مؤتمر مناهضة العنف: الجبهة الشعبية ت
- Hier 17:24 Coupe de Tunisie (saison 2011/2012)
- Hier 17:22 Le SNJT impute à la Présidence de l
- Hier 17:18 L'INNORPI rejette la demande de dé
- Hier 17:06 الجبهة الشعبية ترفض الاعتذار للصحفيي
- Hier 16:25 الغنوشي والجبالي يلتقيان المفوض ال
- Hier 16:08 Des révisions constitutionnelles su
- Hier 16:05 رسالة الى السيد سليم الرياحي
- Hier 16:01 Les plus importantes saisies opérée
- Hier 15:56 زهير لطيف يعلن عن تنظيم مؤتمر ضد الك
- Hier 15:51 عدنان منصر: بيان نقابة الصحفيين كل
- Hier 15:11 Le Congrès contre la violence et le
- Hier 15:09 Mahdia: Naufrage d'une barque de pêc
- Hier 15:01 صندوق النقد: تونس تواجه مخاطر لكنها
- Hier 14:56 عبد الستار بن موسى يناشد حركة النهضة
- Hier 14:53 عبد الحميد الجلاصي: أطراف شيوعية متط
- Hier 14:48 عاصي الحلاني ومحمد عبده يُحييان سهرت