Tribune

تسليم المحمودي: إعلان رسم التوازنات الوطنية والنظام السياسي الجديد؟

Jeudi 28 Juin 2012
بقلم: شكري بن عيسى (*)

سواء كان السبب مانعا أمنيا ، أو حماقة أو غباء أو تحديا أو توجها يستهدف تحقيق مكسب ما حكوميا أو حزبيا، فالتسليم تمّ، والرئيس المرزوقي لم يعلم بالأمر إلا من وسائل الإعلام، على حد تعبير الناطق باسم رئاسة الجمهورية.

الإشكال حقيقة من التعقيد والحساسية بمكان ولا احد في الوقت الحاضر يستطيع أن يدعي فك شيفرة هذا "اللغز" الذي ستظل تداعياته متواصلة والى درجة عالية من الحدة إلى حين تاريخ انتخاب مؤسسات الحكم الدائمة وما بعدها في كل الحالات.
لن أخوض كثيرا في التفرعات القانونية الشائكة لهذا الموضوع، فعلى أهميتها ليست هنا مربط الفرس. وفي كل الحالات فمهما اختلف فقهاء القانون ورجال السياسة، في اختصاص رئيس الجمهورية في إمضاء قرار التسليم وفقا لأحكام الفصل 324 من مجلة الإجراءات الجزائية الذي يسند إليه هذه السلطة صراحة، وعدم اعتبار قرار التسليم يندرج ضمن صلاحياته المتعلقة برسم السياسة الخارجية أو تمثيل الدولة التونسية وفقا لأحكام الفصل 11 من قانون التنظيم المؤقت للسلط العمومية ، وحصره في رئيس الحكومة وفقا للفصل 17 من نفس القانون، وعلى فرض التسليم قانونا بعدم انطباق اتفاقيات جينيف والتونسية-الليبية والعربية فيما يخص اعتبار الغاية "السياسية" من الترحيل، فان الإعلام المسبق لم يتم استنادا إلى نفس الفصل 11 المذكور الذي يقضي بان الأوامر التي يصدرها رئيس الحكومة يجب أن تسبقها مداولة مجلس النواب وإعلام رئيس الجمهورية.
المنتظر على العموم أن يحسم المجلس التأسيسي، استنادا إلى مقتضيات الفصل 20 من قانون التنظيم المؤقت للسلط العمومية، النزاع القائم حول الاختصاص بين الرئاستين بعد إصدار الجلسة العامة للمحكمة الإدارية رأي استشاري في انتظار وصول الطلب المرتقب من رئاسة الجمهورية الذي كان من المفروض القيام به قبل التسليم وليس الآن. فرئاسة الجمهورية سجلت تصريح الجبالي بأن التسليم سيتم دون توقيعها بعد حصوله على رأي المحكمة الإدارية يسند هذا التوجه، ولن يعفيه أي شيء من هذه المسؤولية واعتباره في المحصلة يتحمل جزء من الأزمة السياسية التي نشبت اليوم في البلاد بعد هذا التقصير الجليّ. ما يغفر له خطأه هذا ربما، هو افتراضه حسن النية بشريكه في الحكم النهضة الذي لم يكن يتوقع منه مثل هكذا تصرف أحادي (التسليم) بعد أن تم الاتفاق على تنفيذ اتفاق التسليم المبدئي بعد انتخاب حكومة شرعية وتوفر ضمانات فعلية على محاكمة عادلة تكفل فيها حقوق الدفاع ومن قضاء مستقل في ليبيا، الأمر الذي لم يتم خاصة وان تقرير الهيئة الموفدة للتحقق من الضمانات لم يحصل عكس ما صرحت به الحكومة إذ اعتبرت رئاسة الجمهورية على لسان الناطق باسمها أن ما عرض هو مجرد محضر جلسة وليس تقريرا مختوما بمواصفاته الشكلية والمادية وأردفه مدير الديوان عماد الدايمي بأن الأمر كان "طعنة في الظهر". ما يحيلنا هنا على أهمية الجانب السياسي والأخلاقي في المسألة بوجود تأزمات على ما يبدو خطيرة بين الأطراف المشكلة للسلطة التنفيذية في البلاد في رؤيتها للواقع وللمستقبل وفي تعاملها مع تعهداتها خاصة وان الاجتماع التنسيقي بين الترويكا تمّ يوم الجمعة المنقضي ولم تعرض فيه مسألة التسليم.

الثابت أن وجود مكاسب اقتصادية حققتها الحكومة من وراء "الصفقة" كما وصفها البعض وأكدها وزير المالية في برنامج تلفزي على قناة حنبعل، إعانات مادية ومالية وعقود تشغيل واستثمار، لا يمكن أن يفسر لوحده على أهميته البالغة تجاهل آو ما سمي "تهميش" الحكومة لدور الرئاسة ولشخص المرزوقي بالذات كما أن ما سمي وألمح إليه باسم "الضرورات الأمنية" بوجود مخاطر وحالة انفلات بتهديد الحكومة الليبية رفع يدها عن حماية حدودنا معها لا يمكن الركون إليه اعتبار إلى أن تونس أمّنت حدودها كاملة في ظل حرب وعصابات ومليشيات وجيوش متعددة أثناء فترة الثورة الليبية والوضع حينها كان بالغ الخطورة.

وحتى مسالة تسليم المحمدي لربح ورقة طلب جلب المخلوع وحاشيته المجرمة من السعودية وغيرها من الدول لا يمكن أيضا أن تكون عنصر تبرير يعتدّ به باعتبار وان الجبالي ذاته صرح في السابق بأنه لا يمكن أن نخسر علاقاتنا مع السعودية في مقابل تسليم المجرم بن علي..
المسألة على ما يبدو أبعد من ذلك لأنه مهما اختلفت الآراء لا يمكن الاختلاف حول أن عملية التسليم هذه ستكون لها تداعيات سلبية كبرى على الحكومة مع مؤسسة رئاسة الجمهورية والمرزوقي كشخص ومع شريك الحكم في الترويكا السي بي آر. فلا يمكن نفي أن حكومة الجبالي لم تكن على وعي بذلك وبأن ما ستقوم به سيتسبب في أزمة عاصفة يمكن أن تخسر من خلالها الحكومة تماسكها وصلابتها ويمكن أن تخسر انسجامها مع الرئاسة وتدخل الترويكا في تفكك وتضرب الشراكة والتحالف القائم بين النهضة والسي بي آر وتتسبب حتى فراغ مؤسساتي باستقالة رئيس الجمهورية، وتخلق خاصة أزمة ثقة بين كل هذه الأطراف من الصعب تجاوز تبعاتها ومحو آثارها على المدى البعيد، هذا زيادة عن المخاطر الأمنية التي يمكن ان تتعرض لها تونس وجاليتنا بليبيا من أنصار البغدادي المحمودي في قالب ردات فعل انتقامية. ربما ما لم تكن تتوقعه هو المطالبه بمساءلتها وسحب الثقة منها خاصة وان العدد الذي أمضى على عريضة اللوم فاق 73 نائبا العدد المطلوب لإجراء المساءلة، ولم يفضل عن العدد المطلوب لسحب الثقة سوى 33 نائبا.
هذا الأمر يحيلنا على فرضية وجود خيار إرادي من النهضة لمراجعة تصوراتها فيما يخص التوازنات السياسية الوطنية القادمة ومن بينها التحالفات الحالية مع الترويكا وخاصة السي بي آر.
الكل يعلم تمام العلم أن المؤتمر كان عضدا قويا للنهضة طوال فترة حكم الترويكا وليس أدل على ذلك هو الدعم الكامل للرئيس المرزوقي لعلي العريض اثناء "محنة 9 أفريل"، والتضامن الصادق مع النهضة حزبيا وحكوميا، وكانت تجربة الحكم الائتلافية نموذجية وشكل راق من أشكال الديمقراطية التشاركية في فترة الانتقال الديمقراطي، غير أن هناك معطى جديد لاح اليوم بجلاء مع انتصاف الفترة الانتقالية واقتراب المواعيد الانتخابية وخاصة نحت النظام السياسي القائم للبلد الذي سيكون رئاسيا معدلا وبالتالي لن يكون برلمانيا كما هو قريب من النظام الحالي كما ترغب النهضة. النهضة تقريبا ستكون الوحيدة الداعية إلى النظام البرلماني وستشكل أقلية عند الاختيار. هذا المعطى الاستراتيجي ألقى على الغالب بظلاله الكثيفة على المشهد الوطني الحالي بكل توازناته ويفرض على النهضة إعادة تصور تشكيل الخارطة الوطنية وفقا لقواعد اللعبة الجديدة التي يصبح فيها المرزوقي منافسا في منصب رئاسة الجمهورية، هذه المؤسسة التي ستسترجع جزء كبيرا من صلاحيات السلطة التنفيذية في النظام الجديد وستكون في اعلى سلم اولويات النهضة عبر مرشح من قياداتها او مرشح مقرّب تدعمه. وقد يكون تجاهل المرزوقي في التسليم إشارة لا واعية منها (وقد تكون واعية) بتوجهاتها وخياراتها المستقبلية التي ننتظر أن تدعمها إشارات وأفعال أخرى حتى تتضح للعموم.
تصريح نائب رئيس النهضة الأسبوع الفارط حول إمكانية توسيع الائتلاف الحكومي على الحزب الجمهوري استنادا إلى اتفاق 18 أكتوبر له أكثر من دلالة في الصدد..
وتبقى المسألة شائكة إلى ابعد الحدود وفي كل الحالات فلا يمكن استساغة هذا السيناريو بما يتضمنه من خسائر جسيمة ستتكبدها على السواء الحكومة والنهضة من وراء هكذا خيار إن تأكد وجوده. وإلا فان الأمر سيحيلنا من جديد على فرضية "الصفقة الاقتصادية" أو "التصرف غير المحسوب"..
وفي المحصلة فان حادثة التسليم بما أحدثته من تصدّع هائل في المشهد الوطني عموما ستشكل إعلان تفكك التوازنات السياسية الحالية ورسم أركان النظام السياسي المستقبلي..

(*) قانوني ومحلل سياسي
          Partager  Share on Google+      





11 de 11 commentaires pour l'article 51261

   (Tunisia)  |Vendredi 29 Juin 2012 à 01h 46m||           
@_king_ ce membre courageux existe. puisque le porte-parole du gouvernement (samir dilou) en personne a présenté ses excuses au président de la république pour ce malentendu qui n'entame en rien le respect mutuelle des institutions de l'état. ça était hier dans l’émission d'hier de حديث الساعة . vérifiez vous même dans le site de elwattania

Abounawass  (France)  |Jeudi 28 Juin 2012 à 23h 27m||           
Les islamistes veulent voler la rÉvolution.
ennahdha degaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaage

Nassim  (France)  |Jeudi 28 Juin 2012 à 18h 53m||           
Il faut pas compliquer les choses,nos gouverneurs savent bien ce qu'ils font.

Elwatane  (France)  |Jeudi 28 Juin 2012 à 16h 41m||           
Annahda materchefha elhad soyez en sur

SOS12  (Tunisia)  |Jeudi 28 Juin 2012 à 16h 28m||           
M.ben aissa

ne vous affolez pas monsieur .

la tunisie est commdamnée d'être gouvernée par alliance même si un parti emporte 90 % des sièges.

la dite alliance a eu lieu, elle demeure pour toujours bon ou malgré et elle est l 'ultime , la première et la dernière.

voir de côté, chaque jour un parti se divise.

le caractère tunisien est contestataire, critiquant, mais sans solution.

*la troika reussira malgré le harcellement de tous les courants.

*dors bien et bonne santé.

Vieux960  (France)  |Jeudi 28 Juin 2012 à 15h 49m||           
@mohamedsalah(t)
bien dit monsieur et bravo.

MohamedSalah  (Tunisia)  |Jeudi 28 Juin 2012 à 15h 00m||           
Je vois ce tiraillement comme un bon excercice de la democratie par ces parti en apparence en coalision , ça veut dire qu'il faut faire attention quand on gere le pouvoir excecituf du pays. que ça soit une leçon de la democratie.

meme si je souhaite pas qu'on part le temps dans ce genre de futilité politique, je propose de pousser cet excercice a son extreme et voter une motion contre le gouvernement et une autre contre la présidence. on aura vraiment l'occasion de voir le pays tomber dans le chao et ces élus dans les chicanerie du pouvoir. voila les élus seront contents, ennabara et les rcdiste jubilerons, le peuple soufrira, mais on s'en fou , finalement ila deja
souffert 50 ans , pourquoi pas quelques années de plus!

franchement, marzouki, ejbali.... vous êtes en deça des espoirs, on s'en fout vraiment de vos égos et les demonstration de forces , si vous sentez qu'un gramme de patriotisme a disparu en vous, je vous invite aimablement de quitter et laissez d'autres pour continuer ce petit bout de temps avant les élctions.

merci

PARISIEN  (France)  |Jeudi 28 Juin 2012 à 14h 24m||           
L'auteur de cet article oublie un petit détail mais .... de taille, qui tombera sans doute toute son analyse dans l'eau ...essbssi ne peut pas se présenter à la présidentielle vue son age ...

Amir1  (Tunisia)  |Jeudi 28 Juin 2012 à 12h 41m||           
@كاتب المقال
أنت تعلم جيدا أن بقاء البغدادي المحمودي يسبب مشكلا لتونس أكثر من تسليمه.
وأنت تعلم أن المرزوقي يماطل في التسليم
لكن هل تعلم أن التسليم من طرف رئيس الحكومة فحسب يزيل الحرج عن المرزوقي المدافع عن حقوق الإنسان وأن الجبالي أسدى خدمة جليلة له بتحمله لوحده تداعيات العملية؟
وهل كان يمكن للرئاسات الثلاث أن تتفق على التسليم في أقرب الآجال قبل أن تسوء علاقاتنا مع ليبيا وتصل إلى إما أن نسلم وإما...؟
الخلاصة: أمام عدم وجود بدائل مقنعة من طرف المعارضة يظل تمني تصدع الترويكا هو الملجأ الوحيد.

_KiNg_  (Tunisia)  |Jeudi 28 Juin 2012 à 12h 08m||           
Cette crise nous a permis de voir la réaction du parti enahda.
dans tous les partis démocratiques, chacun exprime son avis librement puisqu'il represente le peuple avant son parti.
dans enahda, tout le monde est d'accrod sur le fait qu'il n'y a eu aucune erreur (même pas politique) et du coup, il n'y a rien a corriger ou a ameliorer.
ca fait peur vu que ce parti majoritaire fait passer ses intérêt politiques avant son honnêteté.
il n'y a aucun membre courageux qui a osé dire que le chef s'est trompé sur ce coup en laissant le président de la république être informé par les médias sur un sujet aussi critique et devant le fait accompli.
des pratiques qui nous rappellent le rcd...

MOUSALIM  (Tunisia)  |Jeudi 28 Juin 2012 à 09h 54m||           
أركان النظام السياسي المستقبلي يحدده الخليفة السادس ورئيس الدولة ورئيس النواب مستشاري الخليفة وفي الاتحاد قوة ثلاثة في واحد ...



Les Commentaires en arabe avec caractères latins seront automatiquement supprimés


En continu
Indicateurs Banque Centrale de Tunisie


  TUNINDEX: 4584.74
Tunis



NOS PARTENAIRES




Derniers Commentaires