الجدل البيزنطي، رياضة وطنية أولى في تونس

Mercredi 22 Mai 2019



Mercredi 22 Mai 2019
بقلم حامد الماطري

كلمة "النقاش البيزنطي" ترجع تاريخياً لنوعيّة من الجدل اختصّ بها قساوسة المجلس الكهنوتي الذي كان يَتَّخِذ من بيزنطة (إسطنبول الحالية) مقرّاً له، وربّما اشهر المسائل التيحاول هذا المجلس حلّها هي مسالة البيضة والدجاجة، ومن هو الأسبق في الوجود..!وتواصل الامر بهم يعالجون "أمّهات المسائل" حتى انه في سنة 1453، وفي الوقت الذيكانت القوات العثمانية تخترق أسوار المدينة على يد محمّد الفاتح، و المعارك تنتقل بينالشوارع، كان "حكماء" المدينة و"علمائها" يتجادلون في أمور من نوع "ما هو جنسالملائكة، هل هي ذكر أم أنثى؟"، و"ما هو حجم الشيطان، هل هو كبير جداً أم هو صغيرقادر على الدخول من ثقب الباب"...


لطالما عتبرت ان اغلب النقاشات الدائرة في تونس بعد الثورة هي من قبيل الجدل البيزنطي بامتياز، ولا يقتصر موضع الشبه في تفاهة المواضيع او كونها ابعد ما تكون عن أولويات المرحلة، ولكنها أيضا تعطي انطباعاً بأنّ أصحابها لا يملكون أيّ وعي بحجم التحدّيات والمخاطر التي تحدق ببلادنا.
جدير بالمتابعة أنّ وتيرة السفسطة زادت حدّة هاته الأيام، في إطار انطلاق موسم الشحن،والإحماء الانتخابي؛ ولإعادة استحضار ذاك "الصراع الوجودي" بين حداثيين ورجعيين، بين بورقيبيين ويوسفيين، بين مدنيين واصوليين، بين وطنيين و"بيّوعة"، بين مدافعين عن الثروات ومفرّطين فيها... كلّ يطرق على الوتر الذي يهواه، وكلّ الطرق صالحة للنفخ في نار لا نعلم من أشعلها ومتى. نار تستقطب التونسيين، مثقفيهم وجهلتهم على السواء، تستهويهم وتجذبهم اليها بلا عقل، كما يتقاطر البعوض على لهيب النار المتّقد.

ارتفع منسوب الاستقطاب هاته الايّام، عبر استحضار عدد من المسائل الجانبية كعودة بنعلي من عدمها، ومدى قبول التونسيين بها، او المحاكمة في عملية قتل صالح بن يوسف،وخصوصاً سيل ردود الفعل التي انطلقت بعد ذلك، والإسهال العاطفي الذي تمكّن بالبعض ممّن تجنّد للدفاع عن "الزعيم" و"سبّ كلّ من تجرّأ على الإساءة لذكراه".. لم يكن الافتتاح المبكّر لموسم الاستقطاب والشحن هاته السنة، لولا الحاجة الملحّة للتشويش على ماهو أهمّ، الا وهو الفشل الذي التصق بالمنظومة الحاكمة. فشل ذريع فاق أسوأ توقّعات منتقديها؛ ليس في تحقيق كمّ الوعود التي أطلقتها في الحملات الانتخابية السابقة، وليس في إدارة البلاد وتوفير اقل متطلبات العيش الكريم للمواطنين، ولكنهم فشلوا حتى في التمثيل على ناخبيهم، والحفاظ على حدّ أدنى من المصداقية والاحترام في الشّارع بعد ان اظطرّتهم صراعاتهم وفضحهم لبعضهم البعض في وسائل الاعلام الى اخراج صورة بغيضة عنهم وعن المتعاطين للسياسة بصفة عامّة، والظهور على الملأ بحقيقتهم في أقبح تجلّياتها.
على امتداد العهدة الانتخابية الحالية، نجحت التغمة الحاكمة في ان ترينا العجب.. : الكذب العلن والاجرام والخيانة والفساد والرشاوى، وتبييض الأموال في بنما، والاتهامات المتبادلة بالتخطيط للقتل، وبخيانة المصالح الوطنية، والتخابر مع جهات اجنبية، ورئيس حكومة يهدَّد بالتمرميد، وفضائح اخلاقية، وصولاً الى تلفيق القضايا للناس وابتزازهم، واستعمال القضاء لزجّ الخصوم في السجن، وصلاحيات العفو للافراج عن الحلفاء، ومؤسسات الدولة في القصبة وقرطاج تتجسس على بعضها البعض وعلى الخصوم السياسيين، وحكومة تكذب وتغالط، وحكومة تُفبرك القضايا لأعضائها لافتعال ضجّات إعلامية، وعصابات معروفة تتبوّأ مناصب مرموقة في أحزاب تحكم، وانتشار المتاجرة المفضوحة بجوع الفقراء، والتبجّح بالدعم الأجنبي، او بخرق القانون، او بتحدّي الدستور وهيئاته...

عندما أتذكّر الكثيرين من أصدقائي وهم يصبّون جامّ غضبهم على المجلس التأسيسي مستنكرين عليه كونه قضّى اكثر من سنتين لإتمام كتابة الدستور، بينما اراهم صامتين كالعجول المقدّسة وهم يتابعون عجز مجلس النواب الحالي لقرابة الخمس سنوات عن انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية او استكمال أيّ من الهيئات الدستورية، أتساءل عن مآل الوعي الشعبي ومدى ادراكه للمهزلة التي نعيشها منذ سنوات.
اتساءل كيف ستنجح منظومة الحكم -القديمة المتجددة- في استغبائهم وشحنهم من جديد؟ كيف سيجعلونهم يصدِّقون كذبهم من جديد..؟

في الحقيقة، وعلى خلاف النقاشات التي كان يضجّ بها بلاط بيزنطة، جدالاتنا نحن اليوم ليست اعتباطية، ولا تحاول البحث عن اجوبة بقدر ما هي مصنوعة بشكل ممنهج لتحاول خلق أولويات جديدة في اذهان المواطنين. تماماً كما صار في 2013 و2014، وقع خلق"أسطورة" اسمها "البورقيبيّة"، وقع تسويقها كمنظومة فكرية وحزبية وتاريخية بديلة للمنظومة النوفمبرية التي لفظها الشعب، فلبس الباجي نظارات بورقيبة وتكلَّم لغته، وأصبح الحجّ الى روضة المنستير فرضاً على كلّ من يقدّم نفسه على انّه ابن بارّ للعائلة الدستورية (الحداثية، الوطنية، التقدمية، الجميلة، اللطيفة، القوية، الخ). ومع كلّ مرّة حاول أحدهم تقديم قراءة نقديّة لتاريخ تونس المعاصر، سواءً في إطار الحقيقة والكرامة، او اي عمل أكاديمي، لقي هجوماً عنيفاً من كهنة المعبد وجموع مخلصيه الاوفياء.

ممّا لا شكّ فيه ان بورقيبة كان زعيماً وطنيّاً، في عصر له خصوصيّاته، ولا شكّ في أنّه ترك بصمة في تاريخ بلادنا. ولكن من السّخيف تقديم الرّجل على أنّه قدّيس.
ان يكون نظام بورقيبة تصرّف في جزء محترم من تاريخ تونس لخدمة حكمه عبر التغطية على أخطائه والنفخ في نجاحاته، ودفعت نرجسية الرجل نحو صياغة تاريخٍ ينحت صورةالزعيم الأعظم والقائد الأوحد، فهذا يعتبر أمراً تقليدياً في نظم استبدادية احترفت البروباغندا، وليس غريباً ان "تتعوّد" الشعوب على البروباغندا فتدمنها وتصبح تؤمن بها كحقائق مُسلّمة، ولكن العجيب ان تبقى أصداء هاته البروباغندا تتردد لأكثر من ثلاثين سنة بعد انقضاء حكمه.
يفترض ان يتعامل أيّ شعب عاقل مع تاريخه بشيء من التّوازن. يفترض ان القراءات العلميّة والنقدية تأخذ مكان البروباغندا، فيصبح تقييم الزعماء -كما المراحل التاريخية- على مسافة معينة، متحرراً من "عربدة الضوضاء"، و"تشنّج الهويّات"، وضجيج البروباغندا، سواء كانت مع او ضد.
في قضية اغتيال صالح بن يوسف، استغرب انبراء الأصدقاء في ما أسموه "الدفاع عن الارث البورقيبي" واندفاعهم في تمجيد الزعيم وذكر محاسنه و"افضاله على بلادنا"..السخيف في الامر هو أنّ الرجل كان وقد اعترف في حياته بعملية الاغتيال، وهي قد وقعتفي إطار سياسي وتاريخي خاص. وان كنت لا أتفق مع ان تنظر محكمة جنائية في قضية كان احرى بها ان تكون موضوع مراجعة تاريخية أكاديمية، ولكنني لا افهم التحامل على الموضوع بمثل هذا التّشنّج. المحاكمة لن تنزع شيئاً من زعامة بورقيبة، ولن تجعل من صالح بن يوسف قدّيساً، ولكنها ربما ستسهم في تصحيح احد صفحات تاريخ تونس، في انتظار النظر في غيرها.
الا يحقّ لورثة صالح بن يوسف ان يطالبوا الدولة التونسية بالاعتذار تجاه جريمة ارتكبت في حقهم، شأنهم شأن الآلاف من المعارضين او المقاومين الذين ظلموا على امتداد ستين سنة، يوسفيين واسلاميين وقوميين وشيوعيين على السواء؟ هل نستكثر عليهم الحقّ الذي ندافع عنه من اجل اعتراف الجمهورية الفرنسية بجريمة اغتيال فرحات حشاد والاعتذارعنها؟
هل سيغيّر الاعتذار في التاريخ من شيء؟ هل سيعيد عقارب الساعة الى الوراء؟

ان يستعمل بعض الساسة هاته الأوراق لتسجيل النقاط، فهذا شأنهم... ان يستعملوا اي إمكانية للتشويش على فشلهم فهذا امر مشروع. ان يحاولوا خلق "ايديولوجيا" وتسويقها مع غياب اي برنامج يجمعهم غير المصلحية والانتهازية، فهذا امر متوقّع.. ولكن ان يساق التونسيون في اي جدال بيزنطي كالماعز، يتبعون القطيع دون اي فكرة عن السبب من كلّ هذا او الهدف من ورائه، فهذا مؤلم ومحبط الى مدى بعيد.
يبدو ان اصحاب المنظومة لا يزالون متمكّنين من شفرة التحكّم بعقول التونسيين وعواطفهم.يعرفون كيف يستنهضون عزائمهم حتى لو كان ذلك في أمور جانبية وشكلية، وكيف ينوّمونهم مغناطيسيّاً حيال اعظم المصائب والكوارث التي تقترف في حقّهم، والتي تحمل عواقب مباشرة على واقعهم ومستقبلهم..

المشكلة ليست في هؤلاء. سنكون أغبياءً لو انتظرنا الفرج على يد شّق من التونسيين، قتلوا فيه روح المبادرة من زمان، واعتاد القفص حتى اصبح يعتقد انه مكانه الطبيعي ويرفض ان يغادره، حتى ولو فتحت له الأبواب على مصراعيها..
المشكلة الحقيقية هي في ذاك الطيف الواسع من التونسيين -وخصوصاً الشباب- الذين يدركون كل ما يحاك من حولهم، يدركون انهم يكذبون عليهم، انهم يستغبونهم، ولكنهم يرفضون التحرّك ولعب دور اكثر إيجابية. يقولون انهم يائسون من جدوى المحاولة، يرفضون الانخراط في الشأن العام والمساهمة في الحياة السياسية، ويعتقدون انهم بجلوسهم على الربوة، ومتابعة الامور في صمت ولامبالاة، هم ينأون بأنفسهم عن أدران السياسة و"يحافظون على بياض صفحاتهم"..
اعتذر مسبقاً، لكن يؤسفني ان أقول لهولاء انكم لا تختلفون كثيراً عن قطعان الماعز التي تحدثت عنها فوقاً. انتم أيضاً تؤدُّون تماماً الدور الذي اختاره لكم منظّروا منظومة الفساد. هم يعلمون انهم لا يستطيعون استغباءكم كما يفعلون مع غيركم، فيراهنون على إخراجكم من رقعة اللعبة. مقاطعتكم للسياسة والشأن العام التي تتشدقون بها هي إستراتيجية سخروا لها من الإمكانيات الكثير. هم يضعون برامج كاملة لينفّروكم من العمل السياسي، ليبعدوكم عنه، ليجعلونكم تنظرون الى الجميع، من دون استثناء، بازدراء وتعفّف.

كلمة السِّر التي تحتاجها بلادنا للخروج مما هي فيه لن نجدها أبداً في احد النقاشات البيزنطية التي تؤثث واقعنا منذ سنوات. ليست في المسائل الهوياتية السخيفة ولا في التّمترس عند مواقف جامدة. لن تكون في استقدام بن علي او استحضار بورقيبة او حتى خير الدين بربروسة.. الحلّ الوحيد هو في انخراط الغالبية الصامتة في مشروع حقيقي للتغيير، في نزول الشباب بثقلهم لتغيير الواقع الذي حبستهم فيه منظومة الفساد... في الكفّ عن لعن الأوضاع والإيمان بقدرتنا على تغييرها. لا يحتاج الامر الى برنامج خارق للعادة، بل نحتاج اكثر من كل شيء الى إيصال أناس الى مواقع القرار تكون محلّ ثقة وتكون مصمَّمة على تحقيق العدالة فقط بتطبيق القانون على الجميع ومن دون تمييز.
لن يأتي الانتظار بشيء، لا انتظار الفرج و لا انتظار القائد المنقذ، او انتظار الوعد الإلاهي، اوحتى انتظار الارتطام بالقاع.. لن يأتي الانتظار بشيء، فعجلة الزمن هي لا تنتظر أحداً.
وحده الشعب قادر على تصويب الدّفّة، ووحدها العدالة ستأتي بالامل، والامل المشترك قادرعلى ينهض بهاته الأمة ويجعلها تغيّر واقعها وترسم مستقبلاً أفضل.


  
  
     
  
festival-dcf422f432b7ba285d387c4f268a35a6-2019-05-22 11:53:42






1 de 1 commentaires pour l'article 182752

Sahly  (Tunisia)  |Mercredi 22 Mai 2019 à 22h 41m |           
الشعوب الغربية و المتحضرة، يحرص شبابهاعلى المشاركة في الإنتخابات، لتغيير الوضع.. ... و نحن في تونس، شبابنا ينتظر تحسن الوضع في البلاد، للمشاركة في الإنتخابات!!!...





En continu


الخميس 20 جوان 2019 | 16 شوال 1440
العشاءالمغربالعصرالظهرالشروقالفجر
21:08 19:43 16:12 12:28 04:59 03:03

19°
35° % 82 :الرطــوبة
تونــس 19°
1.77 كم/س
:الــرياح

الخميسالجمعةالسبتالأحدالاثنين
35°-1943°-2934°-2437°-2434°-23









Derniers Commentaires