حزب القصبة الجديد.. بصمة ''الفيلسوف'' وليد جلاد

Jeudi 10 Janvier 2019



Jeudi 10 Janvier 2019
بقلم: شكري بن عيسى (*)

انطلقت الحملات بقوة بوسائل الدولة من أقاصي الشمال الغربي بزيارة للشاهد لطبرقة على طريقة بن علي ونفس الوسائل لازالت فعالة، فالفقر هو الفقر ووسائل الدولة لازالت مستباحة من الحكام، وطبعا لولا البؤس العميق في عديد الربوع لما التفت اليهم احدا، ولكن الفقر كفر او كاد ان يكون كذلك، ومن يسكن في "قربي" 62 سنة بعد استقلال تونس، لا يمكن ان يرى في رئيس الحكومة الذي زاره واعطاه مفتاح تملك منزل حتى بغرفة واحدة الا المنقذ العظيم الذي انتشله من البرد والصقيع والخصاصة ومخاطر الذئاب والخنزير في الشتاء والافاعي في الصيف، وهو المسحوق في عمقه ولا يعلم أصلا ان الدولة وجدت لتحميه وتوفر له الامن والسكن والعيش الكريم وان هناك ميزانية من مال الشعب وان المفتاح الذي سلمه اياه رئيس الحكومة أو وعده به، هو حق وفي واقع الامور يرسل له عبر ادوات الادارة مرفوقا باعتذار عن عشرات سنين الاعتداء على كرامته وحقه في الامن والشغل وبقية الحقوق الاخرى المكتوبة بحبر الزيف في دساتير البلاد المتعاقبة.


وطبعا الجميع وقف على تلك الزيارة الشعبوية الكربونية لزيارات المخلوع، وقبلها تلك الزيارة لمخزن وحجز كميات كبيرة من البيض، وقبلها اعلان تبني تقرير دائرة المحاسبات حول اخلالات فساد، والحملة تم تدشينها رسميا وطبعا النسق سيكون تصاعديا، والهدف كما أعلن أخيرا على لسان مصطفى بن أحمد هو الشروع في تأسيس الحزب الجديد للقصبة، والشعب الرازح تحت الفقر والبطالة وغلاء المعيشة والتهميش التنموي ستكون معه وسائل الوعود الوهمية فعّالة، فالعبرة هي بما يقوم به الاعلام بعد ذلك من نفخ في الفراغ ليجعله قصورا واهرامات وناطحات السحاب، فالقصف الاعلامي المركّز يمكن أن يصوّر حياتك في جنّة النعيم وانت في أتون البؤس، ولعبة التضليل والسفسطة صارت فعاليتها أقوى من كلّ اعتبار.


ينطلق الشاهد من أسوأ حصيلة حكم عرفتها تونس في تاريخها بعد الاستقلال، على كل المستويات تقريبا، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وحتى الامنية اضف اليها الحقوقية، ومع ذلك يقدّم نفسه اليوم "بديلا" عن فشله الشخصي، الذي يصوّره على أنّه انجاز معتبر، ولا يتوان في كل لحظة لاعلان نفسه منقذا للوطن تحتاجه البلاد وشعبها برغم كل الارقام الحمراء التي كادت تحرق لوحة القيادة، التي يبدو أنه لا ينظر اليها الا بنظارات الورود والزهور، وطبعا كان لا بد من استدعاء كل نظريات "السيء والأسوأ" و"الخطر المحدق" لتبرير استمراره، فمن ناحية لا يفوّت أيٌ فرصة حتى يقرأ الأرقام بالمقلوب أي بالمقارنة مع السيناريوات السوداء، ليعلن أنه تلافى "الأسوأ" فيظهر "السيء" انجازا يستحق "التثمين" ولا بد أن "يشكر عليه"، ومن أخرى استقرت كل مداخلاته الاخيرة حول تصوير نجل السبسي على أنه يريد السطو على البلاد ليبرز أنه هو "المنقذ" من أهواله، والمدافع عن "شرف" البلاد و"عرضها"، دون اغفال الاشارات الخفية لحكاية التوريث ووقوف الرئيس الهرم بدعم من زوجته لابنه.

وكان لا بد من اللعب وخلق حالة نفسية خاصة لمزيد انهاك الشعب المنهك وابراز أن الوضع "حسن" بالنظر مع وضع افتراضي متلافى سيء للغاية، ولولا "فارس" القصبة لصارت البلاد في يد الشيطان، واليوم يطرح نفسه بقوة أنه "الخيار" الأوحد، وحزبه القادم سيكون "حمامة السلام" لهذا الوطن المتهاوي على حافة الهلاك، ويسعفنا الفيلسوف الالسني نعوم شومسكي لفهم هذه الاساليب المدنسة، التي تعتمد على مناورات غاية في الرداءة لعل أبرزها "مخاطبة الشعب كمجموعة أطفال صغار" و"استثارة العواطف بدل الفكر" و"تشجيع الشعب على استحسان الرداءة" اضافة الى "تعويض التمرد بالاحساس بالذنب"، وهي أساليب أثبتت فعاليها في حالات الانهيار من الانظمة الفاقدة للشرعية الانتخابية والشرعية الوظيفية ولقيم ومعاني الحوكمة الرشيدة والجدارة والاستحقاق، فتلعب على قلب الاوضاع بما تملكه من ادوات السلطة التي توظفها دون حياء ولا خوف وبما لديها من ادوات الدعاية خاصة وان شراء الاعلام صار مفضوحا، اضافة للتواطؤ مع شبكات النفوذ المالي والسياسي الداخلي والخارجي، ولعلّ فضيحة طلب اخراج مروان المبروك من قوائم المجمدة اموالهم هي ابرز دليل.


والدولة اليوم صارت في حالة اكتئاب عام من جراء اغراق الشعب بالاحساس بالذنب وانه "المسؤول عن تعاسته"، وتعطيل ملكة النقد والتحليل لديه في اطار اللعب على اللاوعي وتبرير الفشل وتمرير الامور من خلال الرغبات والنزعات والمخاوف بعد تعطيل التفكير لدى عامة الشعب، وطبعا كان لا بد من استدعاء "الايديولوجيا التبريرية" عبر عناوين "المصلحة الوطنية" وخدمة البلاد التي استعملتها حتى الانظمة الفاشية وهتلر ذاته، وطبعا منتظر من شخص فاشل وحاشية الانتهازيين السياسيين الملتفة حوله أن يستدعوا كل أشكال الخداع والمكر لاستمرار وتواصل نفوذهم، وطبعا بحصيلة سطو على نوّاب الاحزاب التي تم الفتك باغلبها، من النداء الى افاق تونس وصولا الى الوطني الحر ودون نسيان الجمهوري، ومجموعة من النواب لا تمتلك أي قدرات او كفاءات سوى السياحة الحزبية في اتجاه شواطىء المتعة والاستجمام السياسي، وماذا يمكن لمثل هؤلاء أن يصنعوا سوى استدعاء اسوأ وابشع ما عرفته السياسة الملوّثة، وطبعا المدرسة الكبيرة في "الفلسفة" وليد جلاد وبصمته غير خافية، وقد قاد آخر الزيارات "الميدانية" للشاهد شخصيا، في مماثلة لدور عماد الطرابلسي "شخصيا" ايام العهد البائد.



وأيٌ قيم سينبني عليها هذا الحزب وأي شرعية تاريخية او رمزية او نضالية او شعبية او منجزية او مستقبلية او كاريزماتية سينطلق منها، مع وليد جلاد وأمثاله من الحضيض السياسي الذين رذلوا الحياة السياسية ودفعوا الشعب نحو العزوف التام على السياسة، واي تسويغ سيقدموه بعد فشل كبيرهم السبسي بكل رمزيته وكاريزمايته وسطوه على الارث البورقيبي، واي ماكينة انتخابية سيستعملوها وقد فشل حافظ ملك الزابونية السياسية في الحفاظ عليها، واي وعود سيقدموها وقد تبخرت كل وعودهم السابقة وتعرّت كل العورات، لذلك كان الاتجاه نحو ارذل اساليب العمل السياسي من شعبوية وشراء الاعلام و خلق حالة انهيار نفسي عامة واحباط لجعل اساليب العاطفة والغريزة فعّالة، في انتظار المال السياسي الملوث المنتظر من وراء البحار او من شبكات الفساد، وايضا "الارهاب الوظيفي" الذي لا يتخلف عن اي موعد انتخابي لتكون بصمته الاقوى والاكثر تأثيرا في النتائج.



حزب سيكون في المحصّلة مسخا من حزب تشكّل عبر استدعاء كل الاساطير المضللة في 2012، من تحقيق "التوازن السياسي" و"العودة للبورقيبية" وبعث حزب "حداثي" والدفاع عن "مدنية الدولة" وتلك السرديات التي تهاوت اليوم، خاصة وان اكبر حجر ارتكاز فيها هو معاداة والتناقض مع النهضة التي ظهرت كذبة كبرى، فضلا عن التبشير باحداث قرابة نصف مليون موطن شغل ونسبة تنمية سنوية تفوق 5%، اتضح أنها وعود زائفة، واليوم لا ندري ماذا سيضيف ومنطلقاته بالاساس انتهازية غنائمية وغاياته انانية انتخابية، مبنية على الاستثمار في شخص ساكن القصبة، ووسائله غير مشروعة باستعمال السلطة والحكم، وادواته كلها سطو على الاحزاب الاخرى، ورجالاته بلا مصداقية ولا مشروعية سياسية، ولم نتكلم على الفلسفة والمشروع والهوية والاستراتيجيا، التي لا يمكن الحديث عنها أصلا لهذا الكيان السياسي الهجين الذي سيلد مشوها حاملا لكل عاهات سابقيه، وقد ورث كل جينات الفشل والتزييف والغنائمية المقيتة من أصله الأول..!!



(*) قانوني وناشط حقوقي


  
  
     
  
festival-539d314ee94545d822cf4bafd9461494-2019-01-10 21:20:54






0 de 0 commentaires pour l'article 174818





En continu


الخميس 17 جانفي 2019 | 11 جمادي الأول 1440
العشاءالمغربالعصرالظهرالشروقالفجر
18:55 17:30 15:08 12:36 07:30 05:59

12°
12° % 66 :الرطــوبة
تونــس
1.5 كم/س
:الــرياح

الخميسالجمعةالسبتالأحدالاثنين
12°-515°-416°-415°-214°-8















Derniers Commentaires