سفينة الانتخابات البلدية.. تغرق في بحر تبييض الأموال

Vendredi 09 Février 2018



Vendredi 09 Février 2018
بقلم: شكري بن عيسى (*)

لم تمنع مسوّغات الحفاظ على "الديمقراطية الناشئة"، كما دبلوماسية الاستجداء و"الدقلة" و"زيت الزيتون" التي اشارت اليه "لوموند" اليوم ، من ادراج البرلمان الاوروبي تونس على القائمة السوداء للبلدان الأشد تعرضا لتبييض الأموال وتمويل الارهاب ، ما يبرز أن القضية تمت معالجتها وفق معايير فنية بحتة، فالعيوب العميقة في منظومتنا المالية طالت في النهاية أمن البلاد كما "الديمقراطية" ذاتها في حاضرها مثل مستقبلها، في الوقت الذي تعيش فيه بلادنا على وقع مسار انتخابي بلدي بلغ مراحله الاخيرة، ولا ندري الحقيقة ماذا بقي له من مصداقية اذا أخذنا بالاعتبار وجود تبييض للاموال في نظامنا المالي والنقدي والاقتصادي، وما له من انعكاسات على المشهد السياسي.


التأكيد على المعايير التقنية للقرار الأروبي، يجرّنا للتصدي لجوهر الوضعية بعيدا عن التخمّر الاعلامي والسياسي، الذي تشهده الساحة الوطنية بين التصريحات والبيانات هذا الاسبوع، من منظمة الاعراف الى الخارجية الى حركة النهضة الى بعض "الخبراء"، التي ركزّت الى حدّ بعيد عن وجود "اجحاف" و"تسرّع" و"أحادية" و"خلفية سياسية" و"عدم انصاف" و"ظلم"، فالقرار الأروبي في المحصّلة لم يسقط اسقاطا، وانما تمّ اتخاذه وفق مسار تدرجي استوفى مراحل متقدمة، كما تسنده عدة منظمات أخرى مثل مجموعة العمل المالي الـ"GAFI " ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OCDE وحتى لجنة التحاليل المالية التونسية CTAF، بتقارير مفصّلة تم فيها اعتماد مبدأ المواجهة وتبادل الملحوظات والتعليل المستفيض.

وكل انحراف بحقيقة العيوب الاستراتيجية، في منظومة تونس لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الارهاب، الموكّدة في كل التقارية الفنّية، اذ يجنح للتغطية على الاخفاقات السياسية الفادحة والتقصير الحكومي العميق في الصدد، فهو في المحصّلة يمنع التوجّه الفوري لمعالجة الاخلالات العميقة، وبسطها أمام الراي العام كاملة بلا تعتيم أو ضبابية، لاعلامه بأداء حكّامه ولكن أيضا لوضعه في حقيقة الأمور، بوجود ما يهدد أمنه الهش من خلال ثغرات كبرى تسمح بتمويل الارهاب، وبوجود ما يهدّد المنظومة الديمقراطة الضعيفة من خلال فجوات واسعة تسمح بتبييض الأموال، التي يفترض توظيفها بقوّة في الانتخابات.

وبقطع النظر عن "التصنيف" الاوروبي، فالاكتفاء فقط بتقرير اللجنة التونسية للتحاليل المالية، الصادر في 18 أفريل 2017 (اي قبل قرابة 9 أشهر)، يمكن استخلاص وجود مخاطر عالية متعلقة بتبييض الأموال في تونس، يوجزها الملخّص التنفيذي للتقرير عموما في مستوى "مرتفعة نسبيا"، تتمحور عموما في القطاع العقاري وقطاع الذهب والمعادن النفيسة بمستوى تهديدات "مرتفع"، وقطاع البنوك وقطاع القيم المنقولة بمستوى تهديدات "مرتفع نسبيا"، وقطاعات المحامات وخبراء المحاسبة بمستوى "متوسط" للتهديدات، ما يجعل الوضع خارج اطار التحكم والمراقبة الفعّالة في عمومه.

والانتخابات (أيّ انتخابات) في ظل هكذا مناخ بمخاطر تبييض أموال "نسبيا مرتفعة" لا يمكن بحال أن تضمن قواعد الشفافية والحرية والنزاهة والمساواة المستوجبة، والحال أنّ "الديمقراطية" التونسية في قلب التجاذبات الاقليمية والدولية، بين حلف الامارات-السعودية وحلف قطر-تركيا والقوى الاخرى الفرنسية والامريكية وحتى الالمانية، وكل له في تونس قواه الحزبية والاذرع الجمعياتية الموالية له وكذلك الاعلامية، في ظل غياب رقابة فعّالة للبنك المركزي وفي ظل دائرة محاسبات تعوزها الموارد البشرية والخبراتية والمالية وفي الصلاحيات، مع تواصل اطار تشريعي للاحزاب والجمعيات والاعلام لا يضمن الرقابة المالية في الحدّ الأدنى، لا ندري الحقيقة كيف ستكون نزاهة هكذا انتخابات.

واذا اضفنا نقص الرقابة خاصة "القبلية" لهيئة الانتخابات وحتى الرقابة "الموازية" لافتقاد الخبرة والوسائل، هذه الهيئة التي تم اضعافها وضرب استقلاليتها بصفة كبيرة كما اشار الى ذلك تقرير "الازمات الدولية" لشهر جانفي الفارط، وفي اطار مناخ وطني يهيمن عليه تعطيل واضعاف الهيئات الدستورية، ومع الالتحام القوي بين السياسي والاعلامي والمالي الذي اشار اليه تقرير "الازمات الدولية" في ماي 2017، وارتفاع الزابونية السياسية والاجتماعية وتفشي الفساد بشكل غير مسبوق الى حد اطلاق تعبير "دمقرطة الفساد" في نفس التقرير، للاشارة الى اطباق شبكات الفساد على الدولة ومنظومة الحكم والة التشريع، فلا يمكن الحديث عن ضمانات لانتخابات ديمقراطية بالمرّة.

قانون "العفو الاداري" الذي تم سنّه قبل أشهر، وما ارتبط به من اتهامات بوجود شبهات صفقات مع رجال مال وادارة فاسدين، سيتكفلون بتمويل الاحزاب (وحملاتها الانتخابية) التي صادقت عليه، سيزيد من اغراق المناخ في جو من الدكانة، ارتفاع نسبة الأمّية في البلد التي تناهز 51% (19% أمية خالصة و32% شبه أمية: مستوى ابتدائي) مع نسبة فقر معلنة في حدود مليون و700 الف وفقر متعدد الابعاد تفوق 3 ملايين، تعمّق الانشغال حول تلوّث المحيط الانتخابي بتأثيرات المال السياسي الفاسد، وبالفعل الاوضاع لا تبعث على الاطمئنان خاصة في ظل ارتفاع نسبة الاحباط الشعبي وافتقاد الثقة في الانتخابات، في الوقت الذي تشير فيه الاستبيانات المنشو الى أنّ نسبة المقاطعة ستكون عالية، ما يغذي مناخات الارتياب الحادة حول سلامة الموعد الانتخابي البلدي.

انتخابات بلدية عالية الحساسية وصفها تقرير "الازمات الدولية" بانها ستمكن من اطباق الاحزاب الفائزة على الشبكة الزابونية، تأجّلت عديد المرّات لارتفاع الرهانات السياسية وحتى الاقتصادية بشأنها، ستجرى في مناخ متفجّر بمنسوب احتقان سياسي عالي، سيضيف للاستقطاب الايديولوجي والاستقطاب على اساس "النمط المجتمعي" اثارة للعروشية المتغلغلة في النسيج الاجتماعي والسياسي، وفي مشهد وطني بفيضان جارف للمال السياسي الداخلي والخارجي، ولا نعتقد أنّها ستعكس الارادة الشعبية، ولا نظن أنها ستنال رضى المشاركين فيها كما المقاطعين، كما لا ننتظر اعترافا دوليا بها.

سفينة الانتخابات التي أبحرت منذ أشهر بصعوبة، يبدو انها غارقة حكما في بحر تبييض الأموال، والأجدى ربما تأجيل المسير اذ ما يبحر فوق الأمواج العاتية لن يصل سليما، (وان وصل فسيكون خاربا منكسرا مرتجا)، في انتظار العمل على تنقية المناخ السياسي والتحضير لسفينة انتخابية في ظروف احسن، يكون فيها البحر نقيّا هادئا، ولو أنّ الأمر صعب التحقّق في ظل فوضى الدولة والأحزاب والسياسيين الحالية، فشبكة الاختراق الخارجي التي كشفت عنها "الشروق" وتورط فيها مسؤولين ساميين ومستشارين في الرئاسة، ولو أنّه تمّ تكييفها في اطار الفساد والارتشاء، لا تزيد الاّ في مزيد ابراز هذا التلوّث السياسي الذي يخنق كل الوطن !!

(*) قانوني وناشط حقوقي


  
  
     
  
festival-a79e359ccfb8fa088e384c1c540edd5d-2018-02-09 20:38:10






1 de 1 commentaires pour l'article 155773

Mandhouj  (France)  |Vendredi 09 Février 2018 à 21h 01m | Par           
الدولۃ الغير مستكملۃ موءسساتها الدستوريۃ التي تحمل الحكم و الحكم المضاد لا يمكتها التقدم للأمام و تجاوز مكينۃ الدكتاتوريۃ .. ثم تبقی تكركر في جراءم العهد الباءد ... إنشاء اﷲ تونس تستيقض.





En continu


22°
24° % 83 :الرطــوبة
تونــس 22°
3.1 كم/س
:الــرياح

الخميسالجمعةالسبتالأحدالاثنين
24°-2229°-2024°-2128°-1629°-20















Derniers Commentaires