جائزة أبشع جريمة لسنة 2017 من نصيب نخبتنا!

Lundi 01 Janvier 2018



Lundi 01 Janvier 2018
محمد فضل الله الزغلامي (*)

تماما ك"يوسف" من فيلم المنسي للممثّل المصري عادل إمام، أو ربّما كان أفضل حالا منّي وهو الّذي نجح في الظّفر بموطن شغلٍ يجنّبه نظرات الشّفقة ممّن هم حوله، أجلس وحيدًا، كما هو الحال بالنّسبة لي منذ سنواتٍ طويلة، وصرخات إبن أختي الذي لم يتجاوز أيّاما قليلة من عمره تدبّ بجدران منزلنا المهترئة.


كانت الجموع من حوله كثيرة، يحدّقون بوجهه البريء، مسرورين بورقة جديدة أينعت بشجرة عائلتنا الموسّعة أواخر سنة ألفين وسبعة عشر.

وكما جرت العادة، لم يلحظ أحد من الحاضرين آنذاك غيابي. أمر إعتدت عليه منذ الصّغر، فطوال أعوام الدّراسة كنت ذلك التّلميذ العاديّ، لا محسوبا على ثلّة النّجباء الّذين يحبّذ المعلّم الحديث إليهم خلال ساعات الدّرس، ولا ضمن "البلطجيّة" الّذين يتّخذون من المقاعد الأخيرة مكانا لهم، فتراني، مثل الفرق المتوسّطة بالرّابطة المحترفة الأولى لكرة القدم والّتي لا يثير فوزها أو هزيمتها إهتمام أيّ كان من المحلّلين الرّياضيّين، أجلس بوسط "التّرتيب" فترات طويلة دون أن يكلّف أحدهم نفسه عناء النّظر إليّ.
ثمّ صرتُ شابّا ولازلت، في منتصف العشرينات من عمري، من ذلك النّوع الّذي عرّفه الكاتب المصريّ "أحمد خالد توفيق" في مقال "لعنة الوضع الوسط"، بالقول :"عندما أمشي في الأزقة والأحياء العشوائية أبدو متأنقًا متغطرسًا أكثر من اللازم، وأثير استفزاز سكان هذه العشوائيات.. بينما عندما أمشي في بيانكي (قرية سياحيّة في مصر) أبدو دخيلاً مريبًا فقيرًا أكثر من اللازم."

المهمّ، تطلّب الأمر أكثر من ساعة لتتساءل جدّتي أخيرا عن السّبب الّذي يمنعني من الإحتفال معهم. سمعتها، تتّجه بخطواتٍ متثاقلة نحو باب غرفتي قبل أن تطرقه دون مجيب، فقد تظاهرتُ بالنّوم حينها.. ولعلّكم الآن مثلها، تتساءلون عن رفضي مشاركة والديّ وباقي أقربائي التمتّع ببراءةِ عينيْ طفلٍ كفيلة بإذابة القلوب الحيّة فقط، فبيننا بشرٌ بقلوبٍ مهجورةٍ، لم تقدر حتّى عينيِ الطّفل السّوريّ عمران عن ثنيهم عن مساندة سفّاح سوريا بشّار الأسد.. وهذا موضوعٌ آخر.

وحتّى لا أطيل عليكم الأمر، فإنّي كنت في ذلك الوقت أصارع شيطانيَ الّذي دائما ما يستغلّ بُعديَ عن خالقي ويتمكّن من فؤاديَ فيحوّل ما يراه الآخرون غبطةً إلى سوادٍ يطغى على قلبيَ وعقلي.

هكذا فعلَ بي، مع أوّل صرخة للوافد الجديد، فجعله في نظري مشروع ضحيّة لما أَعْتَبِرُهُ أخطر جريمةٍ إرتُكِبَت في حقّ صغار وطني وشبّانه في بدايات السّنة الفارطة، أي سنة ألفين وسبعة عشر.

ورُحتُ حينها أفكّر في المتّهمِينَ الرّئيسيّين في القضيّة، سياسيّون ومحامون، فنّانون ومسرحيّون، إعلاميّون ومنظّمات مجتمع مدنيّ ونشطاء. عليةُ القوم كما عرّف أحدهم نفسه. تجنّدوا لأشهر طويلة لتعديل القانون عدد 52 المتعلّق بٱستهلاك المخدّرات في تونس، وتفرّدوا بجميع المنابر حتّى ٱنتهوا من فعلتهم على مرأى ومسمع الجميع، بل وحوّلوا وِزرهم إلى إنجازٍ بطوليّ وخرجوا كما المنقذين، تحت تصفيق الرّعيّة.. وماهي إلاّ أشهرٌ معدوداتٌ حتّى خُضِّبَت يدي مراهقٍ تونسيّ بدماءِ شقيقته حين أقدم، تحت تأثير مذهِبات العقل، على طعنها ثمانِ مرّاتٍ بعد أن صَدَّتْ محاولاته بالإعتداءِ عليها جنسيّا.. وجعل بذلك منزل عائلته بمنطقة "حيّ الغزالة" من ولاية "أريانة" قلعةً مظلمة شبيهة بقلاعِ الرّعب الّتي تزخر بها الأساطير.

كانت الجموع من حولِ صغيرنا، تهتزّ فرحا لكلّ صرخة يطلقها مؤكّدا قدومه إلى عالمٍ إسلاميّ عربيّ مجنونِ يزداد توتّرا يوما بعد آخر، وكانت أضلعي ترتجف رعبًا، أحاول في يأسٍ كبح جماح مخيّلتي، فيطلق شيطانيَ عنانها كلّما بكى الرّضيع، ويدفعني إلى التّفكير في المراهق المذكور أعلاه. ماهي المادّة الّتي تعاطاها فأغشت بصره لهذه الدّرجة فجعلته يحاول الإعتداء على شقيقته الّتي تكبره سنّا، جنسيّا؟ كيف حاول فعل ذلك أصلا؟ هل أنّه ٱقتحم غرفتها فجأة وٱتّجه نحوها مباشرة؟ أم أنّ حواسّه كانت ما تزال تعمل فتقدّم نحوها رويدا رويدا والبراءة تملؤ سحنته؟ مالّذي فكّرت فيه شقيقته حين تهجّم عليها؟ هل ٱستوعبت الأمر منذ البداية؟ أم أنّها ظنّت الأمر مزحة من أخيها الصّغير..؟ كيف فكّر في طعنها؟ طعنة واحدة ألم تكن كافية بالنّسبة إليه؟ هل كان ينظر في عينيها عندما أدخل السّكين بين أضلعها؟ مالذي فكّر به في الطّعنة الثّانية؟ الثّالثة على الأقل..؟ هل كانت لاتزال حيّة حين طعنها للمرّة السّادسة؟ هل كانت تظنّ بأنّ الأمر مجرّد كابوس مرعب..؟

كيف لي أن أحميَ الرّضيع بمنزلنا، فلا تدركه "الزّطلة" أو "الحشيش" إذا ما وطأت قدماه المعهد خلال سنواتٍ قادمة؟!

ختاما، لو أنّ أحدهم يدلّني على قبر الضّحيّة، فسأخبرها بأنّ قاتلها الحقيقيّ صحفيّ دفع نحو تعديل القانون المتعلّق بٱستهلاك المخدّرات، وفنّان شجّع على ٱستهلاك مذهبات العقل، ومحامٍ بكى مجرمين عوقبوا لمخالفتهم الفصل 52، ونائب بالبرلمان صوّت لصالح التّخفيف من عقوبة تعاطي الأفيون.
ولو أنّ لي من الوقاحة ما يكفي، لا شابّا كتوما خجولا، تلاحقه لعنة الوسط، لقلت لجدّتي بأنّ كلّ مولودٍ جديد في وطني، يرعبني.

(*) طالب صحافة بمعهد خاص


  
  
     
  
festival-6dc819ecc653a1daedf4f9a85afcf596-2018-01-01 12:07:39






5 de 5 commentaires pour l'article 153423

MOUSALIM  (Tunisia)  |Mardi 02 Janvier 2018 à 07h 36m |           
مقال أنيق لكن .غابت عنه الموضوعية وبالغ في التهويل .وبالرجوع لما نشر عن الجريمة البشعة تبين أن دوافعها عائلية مقرفة ولا علاقة لها بالقانون المذكور الذي فرض هو الآخر من نادي الديمقراطية لتأكيد الإنضمام لمجتمع متنوع ومتعدد .يعني تغيير التكتيك من الدفاعي المغلق نحو اللعب المفتوح ويتطلب الأمر اعتماد قوانين وتكتيك كرة القدم تماما .ويبقى تحصين العائلة التونسية مهمة الجميع لكن بابتكار وسائل وتجارب ناجعة ومواصلة الدربي دون انسحاب .

MedTunisie  (Tunisia)  |Lundi 01 Janvier 2018 à 20h 12m |           
نكبتنا في نخبتنا هذا شيئ أكيد. و الحمد لله دخلنا في نفق الديمقراطية وهو مكلف و لكن الشعب سأتي يوم و يحسن الاختيار و يجد من هو قادر على النهوض بنونس كما سبقتنا اسبانيا و البرتغال و ماليزيا و تركيا و التيوان واندنيسيا و اخرها روندا

Hindir  ()  |Lundi 01 Janvier 2018 à 12h 31m | Par           
لله درك يا فاضل. لقد عبرت بوضوح فاءض عما يؤرقني و يجعلني أنام بعينين مفتوحتين. أجهد نفسي كل يوم لا لكسب قوت أبناءي بل لمصارعة الشارع بغية افتكاكهم منه. لقد حللوا بالشارع و على وجه الملإ كل ما حرم الله. لقد سمحوا لأنفسهم التمتع ب"حرية" تنتهك مقدساتنا ومقومات ديننا و حضارتنا. فهل لهذا البلد أناس من أمثالك يصدعون بكلمة حق تغير ما بأقوامنا من اعوجاج؟

BenMoussa  (Tunisia)  |Lundi 01 Janvier 2018 à 11h 59m |           
مقال ادبي جميل
يعبر عن حقيقة مرة

Citizenvoice  (Tunisia)  |Lundi 01 Janvier 2018 à 11h 54m |           
فى الصميم يا صديقي. أبهرني أسلوبك أيضا. أنت أكثر من صحفي، أنت أديب. مجامع الخيانة تعمل ليلا نهارا في جسد هذا الوطن الجريح ولكن عين الله لا تنام. ألف تحية.





En continu
  
Tunis: 27°



















Derniers Commentaires