متى ستكون لنا عاصمة ثانية؟

Samedi 07 Octobre 2017



Samedi 07 Octobre 2017
محمد الحمّار

اقترحتُ ذات يوم على أحد المسؤولين في الدولة في العهد النوفمبري أن يبلّغ صوتي كمواطن مهتمّ بالنموّ الديمغرافي لبلادي بأنّ الوقت قد حان لكي يقع التفكير في تهيئة عاصمة ثانية للبلاد. وقد كانت إجابته فورية وقطعية حينئذ:" هنالك المركز العمراني الشمالي؛ ذلك سيُغنيكم عن عاصمة أخرى."”
ومرّت الأيام والسنون. وجاء تغيير سنة 2011. وبدأت منطقة المركز العمراني الشمالي تأخذ شيئا فشيئا شكلا ديموغرافيا متكاملا. لكن هيهات! السؤال الذي يطرح نفسه الآن: ما مدى راحة مستعملي العربات الميكانيكية عند دخول المركز وعند إيقاف السيارة وعند مغادرة المركز؟


في كلمة، إنه الاختناق داخل الاختناق. فالمنطقة الجديدة، مَثلها مَثلُ البحيرة 1 والبحيرة 2، لا تلعب دور الرئة لعاصمةٍ تتنفس بصعوبة، كما ذهب في ظن المصممين، بقدر ما تلعب دور الغُصة في حَلقها، تُحوّلها من طور صعوبة التنفس إلى طور الاختناق. هذه المناطق تساهم في الاكتظاظ الداخلي لمدينة تونس وهو ما يفسر الاختناق بينما ما يحدث على الأطراف (المنيهلة شمالا والمرناقية غربا وبو مهل جنوبا) هو توسّع يكون أقل وطأة من الاكتظاظ الداخلي لكنه في الحين ذاته يساهم في تدعيم الاكتظاظ الداخلي طالما أنّ القادمين من الأطراف إما يصبُّون في داخل المدينة أو يعبُرون شوارعها الحزامية (التي ليست حزامية إلا بالنسبة لوسط المدينة لا بالنسبة لضواحيها التي أصبحت جزءً من المدينة الكبرى).
لكن في كل الحالات يُلاحَظ أنّ مدينة تونس العاصمة تتعرض كل صباح إلى غزوات ميكانيكية سواء من الخارج أو من الداخل وهو مما جعل حركة المرور بمثابة امتحان يومي عسير لكافة المكونات البشرية للعاصمة وأيضا لمكونات تونس الكبرى عموما.
أما إذا نزل الغيث بكميات تفوق المعدلات، لم يعُد الأمر يتعلق بامتحان بل بانتحار جماعي، ولنا في ما شهدته العاصمة في يوم الاثنين 2/10/2017 عبرة حيث كان يوما مشهودا بالنسبة لكافة التونسيين لا سيما سكان العاصمة، يومًا عرفت فيه المدينة تهاطلا لكمياتٍ هائلة من الأمطار بعد احتباسٍ دام عدة أشهر. وبقدر ما استبشر التونسيون بهذه المِنّة السماوية ما تسببَت في كثيرٍ من التعب والشقاء لكثيرٍ من سكان العاصمة وضواحيها (انسداد قنوات تصريف المياه، ارتفاع مستوى المياه وسرعتها بصفة شبه طوفانية، تجمّد حركة المرور، تضرّر البيوت والمحلات التجارية ووسائل النقل الخاصة والعمومية).)

هذا لا يعني أنّ الأمطار حين تتهاطل بغزارة لا تُلحق الضرر بالمدن والقرى ولا تأتي على الأخضر واليابس. فليس هنالك بلدٌ واحدٌ مُعفًى من إمكانية حصول كوارث تتسبب فيها المياه. لكنّ ذلك يعني في ما يخص العاصمة التونسية أنّ مثال التهيئة الأصلي للمدينة قد تمّ تجاوزه دونما أيّ تحرك عمراني من أجل التخطيط بَعيد المدى لِما ينبغي أن تكون عليه المدينة مستقبلا مما جعل تلك السيول، مهما كانت جارفة بحدّ ذاتها، تؤثر بتلك الصفة العنيفة في العباد والبنى التحتية. في مثل ذلك اليوم (الاثنين) يموتُ سكان العاصمة ويَحيُون في الآن ذاته بينما كنّا نتمنى لو يكون الحدث مَبعثا على الحياة دون سواها.
من زاوية أخرى، يمكن أن نقدّر أنّ تونس الكبرى تأوي اليوم ما يناهز ثلث سكان الجمهورية. وهذا مما يضعُنا أمام مُهمة اسمها تنمية الجهات وما تمثله من ضرورة قصوى. فمِن شأن هذه المُهمة أن تُخفف الضغط على العاصمة وأيضا وبالخصوص أن تُحيي المناطق الداخلية، بمُدنها وقُراها وريفها وبالتالي أن تمكّن كلّ التونسيين من الاستقرار، كلٌّ في الجهة التي يرغب فيها. كما سيتسنَّى للتونسيين زيارة أكبر عددٍ ممكنٍ من الجهات التي سوف لن تبقى محرومة مثلما كان الشأن حين كانت ضعيفة التنمية وصعبة المنال.
في سياقً متّصل، ليس صانعو القرارات الكبرى في البلدان التي تحتوي على عاصمتين اثنتين، واحدةٍ إدارية والأخرى اقتصادية، مثل الولايات المتحدة (واشنطن ونيويورك) أو المملكة العربية السعودية (الرياض وجدة) أو المغرب (الرباط والدار البيضاء) أكثر ذكاءً من صانِعي القرار التونسيين حتى يفوقونَهُم بفضل إنجاز العاصمتين، كما أنهم ليسوا أقل منهم ذكاءً حتى يُعتبرُ خيارُهم المتمثل في حلّ العاصمتين من قبيل المجازفة أو المخاطرة.

في الختام، لست خبيرا في الديموغرافيا أو في العمران حتى أرى أنّ هنالك منطقة بعينِها تصلحُ لتكون عاصمة ثانية للبلاد. فبلادنا تزخرُ بالخبراء في هذا الميدان ممن لهُم القولُ الفصلُ. لكنّ مبدأ تشارك كافة الخِبرات في بلورة القرار المشترك يُملي علينا جميعا أن ننظُر في حلِّ العاصمتين حتى لا نلجأَ إلى الجلد الذاتي بسبب غياب بُعد النظر بخصوص المسائل العمرانية وحتى لا نموتَ قبل أن نعيش، في كلّ مناسبة ترحمُنا فيها السماء بالماءِ، رمزِ الحياة.

Publié le:2017-10-07 11:19:40



  
  
  
  
festival-e6de7d3bae9d8be9e68ceb660b7425c0-2017-10-07 11:19:40





0 de 0 commentaires pour l'article 148831





En continu









Radio Babnet Live: 100% Tarab



Derniers Commentaires