Tribune

إضراب الجوع حتى الموت لأجل أن تبقى الثورة ثورة الكرامة

Mardi 20 Novembre 2012
منجي المازني

فوجئت يوم الجمعة 16 نوفمبر بخبر وفاة الشاب السلفي على إثر إضراب جوع استمر لأكثر من خمسين يوما. وبعد يومين توفي شاب آخر بنفس السبب. ولقد تحسرت وتألمت كثيرا لما حدث لهذين الشابين. وتملكني الحزن والغضب في نفس الوقت. فهل هانت علينا أرواحنا وأرواح شبابنا وتبلد إحساسنا حتى أصبحنا لا نهتم ولا نبالي بالجوع وبالمعاناة حتى الموت ؟ فما هذا الظلم وما هذه اللامبالاة تجاه النفس البشرية؟ ألم نخض ثورة على الظلم والاستبداد والاستهتار بحقوق المظلومين والمستضعفين ؟ فلماذا نعود اليوم ونستكين إلى نفس الأساليب التي كنا نندد بها ونخوض المعارك وكل أنواع الاحتجاجات من أجل محاربتها ؟ لماذا تتحجر قلوبنا في بعض المواقف ونسكت ونسهو ونغفل أو نتغافل عما كنا نستنكره بالأمس القريب؟
لقد فشلت الحكومة ووزارة العدل في إيجاد حل ومخرج لهذه الحالة وفشلت الرئاسة وفشل مجلس التأسيسي وفشلت حركة النهضة وفشلت الترويكا وفشلت كل الأحزاب وفشل كل مسؤول خرج من رحم الثورة في إيجاد حل ودي ومرضي يحفظ الحقوق لكل الأطراف ولكل المتهمين.
لقد قامت الثورة من أجل استرجاع الحقوق المغتصبة وتسليمها لأصحابها أيا كانوا وعلى أي مذهب كانوا ولم تقم من أجل إعطاء الحقوق للبعض دون بعض. لقد قامت الثورة من أجل رد الاعتبار للإنسان وتكريمه وإيلائه العناية والاحترام اللائقين به كإنسان. قال الله تعالى "ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا". مرت جنازة بالرسول صلى الله عليه وسلم فقام فقيل له إنها جنازة يهودي، فقال : أليست نفسا". بهذه الأخلاق الربانية يجب أن نتعامل فيما بيننا ونعامل بعضنا البعض. فلماذا عندما قام عضوان من المجلس التأسيسي بإضراب جوع استعراضي من أجل إطلاق سراح بعض الموقوفين المتهمين بتهم مماثلة لتهم السلفيين انبرت المعارضة الممثلة في المجلس التأسيسي ووسائل الإعلام للدفاع عن الموقوفين والمضربين عن الطعام ؟ ولماذا استجابت الحكومة بسرعة لطلبهم ( بعد بضعة أيام من الإضراب ) وأفرجت عن الموقوفين في انتظار استكمال البحث ؟ ولماذا لم تستجب الحكومة لطلب السلفيين المضربين ولم تفرج عنهم في انتظار استكمال البحث أم أن السلفيين لا بواكي لهم ؟ وهل المجلس التأسيسي هو منتخب لأجل الدفاع عن كل التونسيين أم هو منتخب لأجل القيام بإضراب جوع لفائدة فئة دون فئة ؟ فلماذا هذا التعامل بمكيالين من طرف أول مؤسسة منتخبة في هذه البلاد ؟
نعرف أن بعض السلفيين المتشددين أخطأوا عندما هاجموا بعض المقرات السيادية للدولة وعندما حاولوا الحط من قيمة مؤسسات الدولة. ولكن البعض منهم يقول أنه لا ناقة لهم ولا جمل في أحداث العنف هذه وأنه لم تثبت إدانتهم بأدلة ثابتة وأدخلوا السجون بغير جرم اقترفوه. عند ذلك يلجأ البعض ممن يظنون أنفسهم مظلومين إلى الخيارات الصعبة والشاقة على النفس كالدخول في إضراب جوع. ولا أعتقد أن يلجأ إلى إضراب جوع من تورط في أحداث عنف بأدلة قاطعة لأن الذي يمارس العنف يستعرض قوته ويفتخر بها ويريد أن يحقق مطالبه وكل ما يفكر فيه عن طريق القوة والعنف في حين يلجأ إلى الإضراب عادة كل الذين يعتقدون بأنهم ظلموا وبعد استنفاد كل الوسائل القانونية المشروعة لنيل حقوقهم واسترجاع حريتهم.
في حدود علمي يلجأ إلى حل إضراب الجوع عندما يجد المتهمون أنفسهم في بيئة تنعدم فيها الحرية تماما ويتعرضون فيها لأبشع أنواع الاضطهاد والإهانة كما يحدث لإخواننا الأسرى الفلسطينيين في زنزانات الكيان الصهيوني الغاصب. أما في تونس فنحن في ثورة والحال غير الحال وما عدنا نسمع بالممارسات الوحشية واللا إنسانية عند وأثناء الاعتقال. ولكن مازال هناك العديد من الممارسات الغير لائقة وبعض الظروف السيئة والتي لا تليق بالثورة. وهذه الظروف والممارسات يمكن استيعابها والصبر عليها. وإنما جعل الصبر لمثل هذه الظروف. ولقد أفتى الشيخ البشير بن حسن بتحريم إضراب الجوع. ولكن هل إذا أصر بعض أبنائنا على هذا الإضراب فهل نتركهم يموتون جوعا؟

يمكن لسلطة الإشراف أن تخطأ ولكن إذا وصل إضراب الجوع إلى حدود أسبوعين يجب أن تطلق كل المصالح المعنية ومؤسسات المجتمع المدني ووسائل الإعلام صفارات الإنذار ويجب أن تطرق كل الحلول الممكنة حتى تعذر في الموقوفين أمام الله وأمام الرأي العام وإلا فلا ثورة أنجزنا ولا دينا اتبعنا. فبماذا يمكن أن تجيب الحكومة بعد هذه المصيبة ؟ فهل بإمكانها هذه المرة أن تلقي باللائمة على المعارضة وعلى قوى الثورة المضادة ؟
بعد ذلك يجب أن نخرج هذه المسائل الإنسانية من الحسابات والتجاذبات السياسية وأن لا ننطلق منها لننصب لبعضنا البعض فخاخا. فما معنى أن تشن بعض قوى المعارضة والممثلة في المجلس التشريعي حربا إعلامية شديدة وشرسة على السلفيين ثم تأتي بعد ذلك وتتباكى على الضحايا وتهاجم الحكومة وتتهمها بالتقصير وبالتسبب في موت مواطنين تونسيين. فأين أنت أيتها المعارضة طيلة هذه المدة ؟ ولماذا لم تحسسي الرأي العام بهذا الإضراب منذ بدايته ؟ ولماذا لم تطلبي من المجلس التأسيسي أن يعقد جلسة استثنائية للغرض ؟ ولا تقولي إنني لم أسمع ولم أعلم بالخبر إلا أخيرا وإلا ستكون المصيبة أعظم. لقد ارتكبت الحكومة خطأ فادحا وارتكبت المعارضة خطأ فادحا أيضا وأخطأت كل مؤسسات المجتمع المدني عندما تركوا أنفس تموت أمام أعينهم دون أن يحركوا ساكنا. فليتحمل كل طرف خطأه. وهناك فرق كبير بين أن يسقط قتلى في مواجهات بين رجال الأمن ومتظاهرين يحتجون باستعمال القوة وبين أن يموت شباب في إضراب جوع والناس يتفرجون عليهم طيلة أكثر من خمسين يوم. لقد نطق بعض رموز المعارضة بالحق عندما قالوا "كلنا أخطأنا" فالرجوع إلى الحق فضيلة. وأين الإعلام من كل هذا؟ فلماذا لم تغط وسائل الإعلام هذا الإضراب منذ بدايته. فلو كانت هناك تغطية للحدث لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه. نحن لا نريد من الإعلام أن يتخصص في مهاجمة الحكومة بل نريد منه أن يبصرها بدرجة أولى بعيوبها ويساهم في تحسين أدائها.
وفي الأخير نود أن ينهض الشعب بكل مكوناته من جديد ويكون على استعداد دائم لمراقبة ومحاصرة كل التجاوزات والممارسات اللا إنسانية في حق كل تونسي وفي حق كل إنسان بمعزل عن دينه وحزبه وعرقه ولونه وفصله. قال الله تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ " ولقد عرفتنا هذه الفاجعة الأليمة أن الحكومة وإن جاءت من رحم الثورة ومن رحم المعاناة فهي ليست معصومة وأن الثورة مازالت في بدايتها ومازال أمامنا الكثير من الوقت للتغلب على بعض السلوكيات السلبية المدفونة في لا وعينا وفي لا شعورنا.
رحم الله الفقيدين رحمة واسعة ورزق أهاليهما وذويهما جميل الصبر والسلوان وغفر لنا جميعا على ما فرطنا في حقوق إخواننا وأبنائنا.


          Partager  Share on Google+      





8 de 8 commentaires pour l'article 56907

MSHben1  (Tunisia)  |Mardi 20 Novembre 2012 à 20h 40m||           
الجهل مصيبة - سابقا الجهل كان يؤدي باسلافنا الرحل و الصحراويين الى الغورة على بعضهم البعض و اخذ الغنائم من بني جلدتهم بالقوة - اليوم الجهل يكمن في ثقافة حرق النفس على غرار البوعزيزي المنتحر او محرق نفسه الاول و يكمن ايضا في ثقافة ازهاق الروح باضراب الجوع وهو ايضا انتحار و صاحبه لا شك متبر في النار . انا لا أتأسف على هؤلاء من البوعزيزي الى السلفيين المنتحرين . الشكارة و البحر رغم اني مساند الاسلاميين فانا لا أجامل الصحاح فما بالكم بان أجامل
الغالطين . فبالمجاملة تشجعون الآخرين على الانتحار من حيث لا تعلمون .
انا تقني التقنيين
انا mshben1 .

Observateur  (Canada)  |Mardi 20 Novembre 2012 à 18h 09m||           
2 meurtres prémédités et les coupables(comme d'habitude)sont restés impunis: on ne met jamais des grévistes de faim dans des cellules isolées mais ils devraient être suivis en permanence 24h/24 .dans les pays qui respectent les droits humains fondamentaux , les responsables (soit de négligence ou prémédités)seraient traduits en justice et le ministre limogé immédiatement.

Tunisia  (France)  |Mardi 20 Novembre 2012 à 15h 26m||           
إلي أحفاد الصباحية

شرذمة العار بزغ الفجر
فاستعدوا لشدة بعد لينا
أشبعت بطونكم خيراتنا
واستباحتها سينينا
ستحاسب كل يدا فيكم فتبت يد الذين
قتلت وعذبت وسرقت وشرعت لحكام المجرمينا
متي كنتم رجالا سراق البلد الفاسدينا
سمي أميركم زورا بزين العابدين
لعمري ما رايت فيه إلا قبحا وشينا
عجوز خرف تلف حسب نفسه من المخلدينا
هاما بحب ليلاه وعكر صفو ليالينا
تراه يسبحون بحمده فسحقا لجميع المنافقين
هلموا بني وطني نطهر كل اراضينا
عباد الصنم كفرنا بالاهكم
وأمانا برب العالمين --

Lina  (Tunisia)  |Mardi 20 Novembre 2012 à 13h 50m||           
لقد أدى انتحار البوعزيزي من حيث لا يدري ولا ينوي ولا يقصد إلى قيام ثورات الربيع العربي (أو لعله السبب الظاهر حتى لا نرهق أنفسنا في البحث عن اسباب أخرى أشد تعقيدا)
والآن هاهي ثورة أخرى تندلع من تونس وبنفس السبب المباشر وهو عملية إنتحار عبر إضراب جوع " وحشي " للفقيدين القلي والبختي
النتيجة هي تغيير شامل لنظرة المجتمع "المدني" لهاته الفئة الإيديولوجية من الشعب التونسي حتى ولو أن الأمر لا يعدو أن يكون كالعادة ركوبا على الأحداث ومن أجل البحث عن مزيد من الإحراج و الإرباك واللوم للحكومة الحالية
لقد تغير خطاب المعارضة 180 درجة وهو لا يعدو أن يكون سوى متاجرة بالأحداث وبأرواح الخلق وهو نفس المشهد الذي يتكرر كلما فاحت رائحة الموت انطلاقا من شهداء الثورة ووصولا بوفاة السلفيين
الآن أصبح السلفيون أبنائهم
أصبح الإنتحار شرارة الثورات وهذا أمر مخيف
ولكن المرعب أن المعارضة في تونس أصبحت كالغربان والجوارح والضباع لا تقتات إلا من جثث الأموات وهي على استعداد لأن تعقد حلفا مع عزرائيل تتبعه أينما حل ومع إبليس تؤازره في نصرة الباطل و الفتن وتؤيده في كل إنجازاته بلا شروط
إن إنجازات المعارضة في هذا المجال (إستثمار الموت و المصائب )لا تحصى ولاتعد:
ـ شهداء الثورة
ـ مقتل القس البولوني
ـ أحداث الروحية
ـ حادثة الفتاة المُغتصبة
ـ وفاة لطفي نقض
ـ وفاة السلفيين
هل تطلبون المزيد يا تجار الموت و الفضائح المصطنعة؟
ـ ضحايا غضب الطبيعة
ـ ضحايا حوادث السير
ـ ضحايا الحرقة والهجرة الغير شرعية
...
لقد دمرتم أعصابنا
دمرتم تفائلنا واغتصبتم الضحكة و الأمل من قلوبنا
أراكم تبحثون بجهد جهيد في صفحات الحوادث وصدى المحاكم عن كل خبر فيه رائحة الموت والمأساة ... أرى في عيونكم شماتة غريبة ورجاء منقطع النظير لكي تنزل المصائب على رؤوسنا حتى أنكم تتمنون لو كانت إشاعة الإعصار التي روجتم لها حقيقية
لا تُروجون للخير أبدا
تتمنون أن تكون إشاعة الجراد والكوليرا وحمى النيل أكبر مما روجتم له
تتمنون لو نزل صاروخ على كامل البعثة التونسية التي ذهبت إلى غزة
تتمنون لو يخسر الفريق الوطني
تتمنون لو يعم الجفاف وإن جاءت الأمطار تتمنونها فيضانا يغرق البلاد والعباد
تتمنون لو تكون السنة الدراسية بيضاء
تتمنون لو أن صابة الحبوب تحترق وصابة الزيتون لا تُجمع وأن تفسد الدقلة في عراجينها
ياالله
هل هؤلاء تونسيون؟
حتى الخبر الجميل بحصول تونس على مرتبة الشريك المتميز حولوه إلى كابوس وجندوا لتسويق "المأساة" كالعادة حمة الهمامي وشكري بلعيد
آآآآه

Nopasaran  (France)  |Mardi 20 Novembre 2012 à 13h 41m||           
Quelle peine et quelle tristesse. quand je pense qu'avec mon épouse pour cause de notre activisme sur facebook nous avons pris de grands risques de ne plus revoir notre très chère tunisie, quand je vois la situation actuelle pire que les années de zaba je me dis que nous avons fais une grosse connerie . nous avons acquis le droit de parler librement mais maintenat les cjiens aboient et la caravane passe.

Tunisienn  (Tunisia)  |Mardi 20 Novembre 2012 à 13h 31m||           
L'image la plus symbolique représentative de la tunisie post zaba est celle des "élites" de pouvoir chez l'ambassadeur des usa en l'attente des déclarations des résultats de scrutin d'obama-romney.
la démocratie est tout simplement "citoyen=pouvoir"....même après la "révolution", les éléments de classe politiques ne parient que sur des alliances solides avec des partenaires étranger.....est-il dire...que la démocratie n'est pas la solution??? la classe politique ne croit pas à une "conscience complète"du tunisien....jusqu'à maintenant, on ne peut conclure que ce résultat!!!!

Tounssi66  (Tunisia)  |Mardi 20 Novembre 2012 à 12h 35m||           
مقال جيد ومتوازن ... حتى ولو أخطأ السلفيين في بعض الممارسات فإنه يجب التفاعل معهم كإخوان في الوطن والدين وإعانتهم على تجاوز أخطائهم ...والدم التونسي عزيز وليس له إيديولوجيا ...

Mortaucons  (Tunisia)  |Mardi 20 Novembre 2012 à 12h 26m||           
En tunisie, les jeunes meurent et les vieux croutant s'accrochent à la vie



Les Commentaires en arabe avec caractères latins seront automatiquement supprimés


En continu
Indicateurs Banque Centrale de Tunisie


  TUNINDEX: 0
Tunis



NOS PARTENAIRES




Derniers Commentaires